كيف يقبلون حكم داعش؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/10/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

كثيرة السجالات الفكرية التي يخوضها المثقفون، في ما يتعلق بتفسير بروز حركاتٍ تحمل إيديولوجية متطرفة كداعش، أو غيره من الحركات الراديكالية، والتي تبدو، في الوهلة الأولى، غريبة عن المجتمع، عند لحظة انبعاثها، فتظهر كأنها نبتة غير طبيعية، أو مولودة من أبٍ غير شرعي.

هكذا يتعاطى محللون كثيرون مع ظاهرة التطرف التي تجتاح أرياف الهلال الخصيب وبعض مدنه، فيتم ترويج فكرة فحواها أن مجتمع المشرق العربي، تاريخياً، لم يكن متشدداً دينياً، بل كان مُنفتحاً، ومتنوعاً إلى درجة يصعب معها معرفة أو تمييز البشر، بناءً على انتماءاتهم الدينية، وكانت الكنائس تجاور المآذن، والزواجات المختلطة والأحياء المتداخلة مع بعضها، لا توحي بإمكانية ولادة داعش، فكيف لهذا المجتمع أن يتقبل فكرة وجود جماعة دينية سياسية أحادية، لا تقبل التفاوض والشراكة، أو التنازل عن مبادئها ومعتقداتها الإيديولوجية لصالح مشروعها السياسي، وغالباً ما يتم ربط هذا التحليل بالتنئشة الاجتماعية لهذه المجتمعات، وبالفطرة البشرية المجبولة على نبذ العنف والهمجية. في ظني أن هذا منهجٌ سوسيولوجيٌ مظلل في قراءة ما يجري الآن وتشخيصه، حتى لا نقول أكثر، وبالتالي، ترسم ملامح صورة غير دقيقة عمّا يمكن أن يستقر عليه حال المجتمع، بعد ردح من الوقت، لو انتهت المعركة بانتصار هذه الحركة، واستقر حكمها، أو حكم مثيلاتها، وباتت تتحكم في تنظيم حياة الناس.

إن من راقب صعود داعش المدهش في أرياف كثيرة في سورية أو حتى مدن العراق، لا بد أن يسأل عن سبب تمكن هؤلاء المتطرفين من السيطرة على هذه المناطق الشاسعة، بهذه السرعة والسهولة. وغالباً، تزيح نظرية المؤامرة عن كاهل كثيرين عناء التفكير في الأسباب الحقيقية التي تجعل مجموعة من الناس قد تقبل بحكم داعش لها، على رغم تشددها في ما يتعلق بسلوكيات الأفراد، ولا تقبل النظام المركزي العراقي، أو السوري، المُنفتح، وهناك مشاجب كثيرة، يمكن تحميلها المسؤولية، فأميركا وإيران وروسيا وأجهزة استخبارات من كل دول المنطقة تعمل، ليل نهار، على استثمار حالة الفوضى في المشرق. لكن، هذا لا يساعد على فهم تفاعل المجتمعات المحبطة، أو المقهورة وإمكانية تلقفها أيديولوجية راديكالية بهذا الشكل. يغفل هؤلاء أن المجتمع، إذا ما تعرض للظلم والقهر على يد السلطة الحاكمة، وغابت عنه أسس العدالة الاجتماعية، وتفشى فيه الفساد والمحسوبية، وساءت أحوال الناس المعيشية، فلم يعد أمام الفرد من شيء يخسره، فإن الإيديولوجيات الخلاصية والشمولية هي التي تزدهر في مثل هذه الظروف، وإن المجتمع، إذا ما فقد الأمن وفقد مقومات الحياة، فإنه في لحظة ما قد يقبل داعش، كما قبلت مجتمعات سابقة إيديولوجيات عنصرية ومتطرفة.لهذا، لم تكن استجابة الريف السوري، السريعة والمبكرة، مستغربة ضد النظام السوري الذي لم يعبأ يوماً بوضعها المعيشي، عبر إهماله هذه المناطق التي كانت أكبر الخاسرين من توحش الرأسمالية، مقارنة ببعض سكان المدن الكبرى الذين كانوا يعقدون الآمال على إصلاح النظام لا إسقاطه، وكان بعضهم يستفيد من فساده.

وفي السياق نفسه أيضاً، لكن من مكان مختلف، فإن مدينة الأنبار انفصلت نفسانياً عن النظام العراقي الجديد، قبل أن تنفصل واقعياً، وسارعت إلى دعم التمرد المسلح عليه، تحت أكثر من عنوان، ليس بالضرورة عن قناعة بنموذج حكم هذه الجماعات، بقدر ما هو حالة يأس من واقع اجتماعي مُجحف، لا تتوفر فيه مقومات العدالة المطلوبة منذ احتلال بغداد. "المجتمع، إذا ما فقد الأمن وفقد مقومات الحياة، فإنه في لحظة ما قد يقبل داعش، كما قبلت مجتمعات سابقة إيديولوجيات عنصرية ومتطرفة" هناك تجارب تاريخية كثيرة، قاد فيها الإحباط الاجتماعي إلى صعود حركات إيديولوجية متطرفة حازت رضا غالبية اجتماعية، وأحياناً عبر صناديق الاقتراع، كما سبق وحدث مع الحركة الفاشية والنازية. في اليونان في سنة 2009 على سبيل المثال، تزامن صعود اليمين المتطرف الذي يقوده حزب الفجر الذهبي مع الانهيار الاقتصادي الذي تعرضت له اليونان، بسبب الأزمة المالية العالمية. اتُهم الحزب "الفجر الذهبي" بارتكاب أعمال عدوانية كثيرة تجاه صحافيين وسياسيين مناوئين لخطابه السياسي، وتعرض مهاجرون كثيرون لهجمات متعددة، وتضاعف حجم الجرائم بنسبة مرعبة.

باختصار شديد، أحدثت الأزمة الاقتصادية تصدَّعاً في المجتمع اليوناني، فأخرجت أسوأ ما في جوفه من عنصرية، نتيجة للشعور المتنامي بالإذلال الجماعي، وامتهان للكرامة اليونانية القومية، وأدى ذلك إلى ميل شريحة اجتماعية واسعة نحو الجماعات المتطرفة التي لم يكن يؤيدها سوى فئة قليلة من المجتمع. قد تقبل المجتمعات إذا ما وصلت إلى مستوى من الإحباط واليأس وفقدان الأمل في النظام الحاكم، أيديولوجية متطرفة، مهما كانت أو بدت غريبة عن ثقافة المجتمع وتاريخه. إن غياب العدالة الاجتماعية إذا ما أضيف إليها بطش النظام السياسي، وتشريده إلى المواطنين، أو جزء منهم، يجعل من تأييد داعش وتقبلها أمراً ليس مستحيلاً، لأنها تظهر أنها الوحيدة القادرة على الانتقام من النظام، ورد الاعتبار لكرامة المحبطين.