لاوجود لنصر روسي في سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/3/2016
The Guardian
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

لقد فاجأ إعلان فلاديمير بوتين العالم، حيث أعلن أن روسيا ستبدأ في سحب "الجزء الرئيسي" من قواتها العسكرية من سورية. حتى الإدارة الأمريكية تُركت على ما يبدو لتحاول إيجاد معنى لدور روسيا، بعد ستة أشهر من هزها لصانعي السياسة الغربيين من خلال إطلاق تدخلها العسكري. وبدا الأمر، مرة أخرى، كما لو كانت واشنطن قد أخذت على حين غرة من قبل الرئيس الروسي في الأزمة التي اختبرت مراراً مصداقية الولايات المتحدة. ولكن السؤال الأعمق هو ما يكمن وراء خطوة بوتين، وكيف يمكن أن تؤثر في الأحداث.

تلعب التكهنات لا محالة دوراً في تقييم أثر التحرك الروسي المفاجئ في الحرب التي تسببت في أكثر من 300,000 حالة وفاة والتي لا يبدو لها نهاية في الأفق بعد، على الرغم من الهدوء الحديث في القتال. هناك أمل بين الدبلوماسيين الغربيين أن يترك بوتين الرئيس بشار الأسد، الآن بعد أن أثبت القوة الروسية في الشرق الأوسط. وهذا من شأنه أن يختصر الكثير في طريق إعادة توجيه محادثات السلام، لأن مصير الأسد كان مثل حجر عثرة في طريقها.

ولكن العديد من الدلائل تشير إلى اتجاه آخر. فقد عزز التدخل الروسي الأسد ورسخه، ووضع حداً للنكسات العسكرية التي مُني بها النظام السوري في عام 2015. وبذلك تستطيع روسيا الآن الاستفادة من ذلك عن طريق التظاهر بالتراجع. وقد قامت بالفعل بما يكفي لتكون لها اليد العليا فيما قد ينتظر سورية.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن بوتين قد قام بإعلانه مع إعادة بدء المحادثات الدبلوماسية في جنيف. وهذا يسمح لروسيا بالظهور على أنها مكرّسة لإنهاء الحرب من خلال كونها أول من يبدأ بسحب القوات من سورية، بدلاً من إرسال المزيد. وهذا بالضبط لأن المفاهيم تحسب في كثير من الأحيان لأكثر من الحقائق ولهذا يجب أن يتم التعامل مع هذا المظهر بحذر.

حلقت الطائرات الروسية المقاتلة Su-34 خارجاً من منطقة الحرب يوم الثلاثاء وسط ضجة إعلامية. ولكن يبقى أن نرى كم سيكون هذا الانسحاب متناسقاً وواسع النطاق. استمر ورود أنباء من الغارات الجوية الروسية يوم الثلاثاء. وأوضحت روسيا أنها سوف تبقي على المنشآت العسكرية التي بنتها على الساحل السوري. وهذا يعني أنه يمكن إعادة تشغيل العمليات الجوية كلما اختارت ذلك. ففي هذا الصدد، أبقى بوتين خياراته مفتوحة على مصراعيها.

يستطيع بوتين أيضاً القول إن روسيا قد أنجزت أهدافها إلى حد كبير. وقد حقق أمرين رئيسيين: منع هزيمة الأسد، وجعل من المستحيل بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والأتراك إنشاء مناطق آمنة في سورية والتي كانت، في ظروف أخرى، ستكون أيضاً منصة قوية لقوات الثوار المناهضة للأسد والتي حاول الغرب دعمها.

وكان هؤلاء الثوار أهدافاً رئيسية للتدخل الروسي، خصوصاً في حلب. نشرت روسيا الآن أنظمة الدفاع الجوي S-400 في سورية، فأي تدخل غربي مباشر في الحرب الأهلية هو الآن عسكري، وكذلك لا يمكن تصوره من الناحية السياسية. بوتين هو سيد الغموض الدبلوماسي. فهو يقول إن انسحاب روسيا الجزئي يمكن أن يساعد في تسهيل التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. وقد لفت الكرملين الانتباه إلى مكالمة هاتفية بين بوتين والرئيس الأسد، والتي من المفترض أن الرئيس السوري قد التزم فيها بالتسوية السياسية. قد يكون الضغط الروسي قد اشتد بالفعل على الأسد، الذي ادّعى مؤخراً أن قواته ستستعيد السيطرة على البلد بأكملها، وبلا شك لا يريد بوتين التورط بشكل لا رجعة فيه في سورية. ولكن ما إذا كان هذا يعني أن الأسد سيتنحى في نهاية المطاف، أو حتى ما إذا كانت روسيا تريد إبعاده، فهذه مسألة مختلفة.

يريد بوتين من خلال سورية وأوكرانيا أن يظهر روسيا كقوة لا يمكن تجاهلها. فهو يعتقد أنه يستطيع الفوز بالرأي العام الروسي كلما بدا أنه يتفوق بالحيلة على الولايات المتحدة. وهذا مهم في وقت تقيد فيه القيود المالية الكبيرة روسيا، مع هبوط أسعار النفط العالمي وتأثير العقوبات الغربية. تحتفل وسائل الإعلام الرسمية الروسية بالفعل بالانتصار في سورية، مظهرين الطيارين الذين تهتف الحشود لهم، بينما تعزف الفرق الموسيقية النشيد الوطني.

إذا كان هناك شيء يجعل إعلان بوتين عادياً، فهو أن ادعاء روسيا بدخول سورية لمحاربة "الدولة الإسلامية" قد تم كشف زيفه. فلم يتم استثناء داعش من معظم الهجمات الجوية الروسية فقط، ولكن يمكن القول إنها استفادت من الانتكاسات التي قد ألحقتها روسيا بقوات الثوار السورية. لم يتم سحق داعش. وبدلاً من ذلك فقد كانت قادرة على المضي قدماً، وخاصة حول حلب. وهذا لا يبدو مهماً بالنسبة لبوتين، الذي تكمن أهدافه الجيوسياسية في مكان آخر. ومع ذلك فقد تسببت روسيا بمقتل المئات من المدنيين وقد قوّت داعش. يحب بوتين أن يعطي انطباعاً بأنه يعرف ما يفعل في سورية. لكن سجله هناك يثبت بأنه رهيب ومدمر بحق.

تعليقات