لا دويلة علوية ولا مؤسسات قاتلة؟!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/5/2015
العرب القطرية

لعقود رهنوا الشعب السوري لثنائية مقيتة إما الأسد أو نحرق البلد، وظنوا أنهم بمثل هذا الشعار التهديدي سيُعيدون العفريت الشامي إلى قمقمه مع بداية ثورته، لكنهم خابوا وخاب مسعاهم، ربما نجحوا في حرق البلد، لكن لن ينجو منها الأسد، اليوم يسعون إلى رهن السوريين بشعار أشد خبثاً إما الحفاظ على مؤسسات النظام أو الدولة العلوية، ويقصدون بالمؤسسات التي حكمت سوريا بالحديد والنار لعقود، وكأن الطاغية كان يقتل لوحده دون جنده الذين أعملوا في السوريين كل ما تفتقت عنه آلتهم الإجرامية الطائفية.

فما فرص نجاحهم بالخيارين وهل ثمة طريق ثالث، يضغط أعداء الثورة على القبول بمؤسسات الدولة وهي عبارة منمقة جميلة تخفي في حقيقتها الحفاظ على كل من ذبح وشرد ودمر وخنق الشعب السوري بالكيماوي والكلور، ويعني بالحقيقة الحفاظ على الدولة العميقة التي أقامها الطاغية المؤسس حافظ، وهو خيار لم يكن بعيداً عن أول لقاء للمعارضة السورية مع الروس وذلك بعد أيام على اندلاع ثورة الشام؛ حيث كانوا يركزون على القبول بالمخابرات الجوية ابنهم الشرعي، وأنفقوا عليها الكثير لتصل إلى هذا الإجرام الذي وصلت إليه.

ليس هناك مؤسسات في سوريا، وكل من يظن أن ثمة مؤسسات فيها إما جاهل لا يعرف طبيعة النظام ولا ممارساته على الأرض أو أنه مخادع يريد خطف ثورة الشام، وهنا لا بد من التذكير بأن خميرة ما نعانيه اليوم هو فرض جيش المشرق شبيحة فرنسا الذي قاتل الثوار في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي كنواة للجيش السوري، وجيش المشرق كان من الأقليات وتحديداً العلويين، وقد بدأت معاناة الشام منذ تلك الفترة، وبالتالي فالإصرار على بقاء خميرة المؤسسة الأمنية والعسكرية هو استمرار لسياسة فرض جيش المشرق، وتكرار المكرر.

غير أن العصابة الأسدية تتهاوى وما دامت خميرتها أمنية بامتياز فقد رأينا الانهيار الأمني خلال الأسابيع الماضية ففي شقها الأمني السياسي قتل أو اغتيل أو سمم لا فرق.. مدير الأمن السياسي اللواء رستم غزالي، وفي شقها العسكري أبعد اللواء رفيق شحادة، ومن قبل خرج اللواء حافظ مخلوف من الأمن الداخلي إلى الخارج، واليوم تترى المعلومات عن وضع غامض للواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني، وقبل أيام أُعلن عن اغتيال مدير فرع مخابرات أمن الدولة، وقصص الاغتيالات السرية تتوارد، ولا ننس مئات الضباط العسكريين والأمنيين وهم يهيمون على وجوههم بعد تحرير إدلب والقرميد والجسر.

وحين أفلس خيار الحفاظ على مؤسسات العصابة بدأ التلويح والتخويف بالدولة العلوية، وهي دولة خرافية من الصعب أن توجد على الأرض ولو كانت ممكنة لسبق إليها قادة العلويين الذين كانوا أشد ذكاءً من قادتهم اليوم في العشرينيات حين تم طرحها عليهم، فأولاً يقول علماء الجيوبوليتيك: إنه على امتداد أربعة آلاف عام لم تقم دولة على حوض المتوسط، وثانياً لو كانت عصابات أسد واثقة من هذه الخطوة لاستعدت لها منذ البداية قبل كل هذا النزف البشري الرهيب الذي ستظل الطائفة تعانيه لعقود، فعادة ما يكون الخاسر في حروب الاستنزاف الأقليات، وثالثاً الروس غير متحمسين لها؛ لأن نفوذهم واستثمارهم في الكانتونات الصغيرة لن يكون مجدياً وهو ما لمسه معارضون حين زاروا موسكو أخيراً، ورابعاً كُلفة إقامتها والحفاظ عليها عالية جداً وليس هناك من هو مستعد لتحمل الكلفة، وهم يرون الكلفة العالية للحفاظ على إسرائيل في قلب العالم العربي، فكيف بإسرائيل ثانية في قلب العروبة النابض، وخامساً هل يمكن للسوريين الذين يرون وقد اقتطعت بلادهم مطلع القرن الماضي أكثر من مرة أن يقبلوا اقتطاعاً جديداً بهذا الشكل وهم الذين فجروا ثورة شعارها منذ اليوم الأول الشعب السوري واحد، ولديهم من الدفق والذخيرة الوطنية الجامحة لتحرير كل سوريا ألا يصدهم أحد بعد هذا الانتصار على الأسد وداعميه، وسادساً وأخيرا هل بإمكان دويلة أن تقوم في جو عدائي يحيط بها إن كانت تركيا أو سوريا أو لبنان، فضلاً عن افتقارها إلى بنية تحتية وموارد في جبالها فالطاغية المؤسس رفض إقامة بنى تحتية في جبالها ليدفع أهلها للمدن السورية ويربطهم فيها، بعد أن اقتلعهم من قراهم وجبالهم، فضلاً عن أن أي فرز طائفي للساحل ذي الأغلبية السنية بحاجة إلى عقود ومجازر رهيبة ليتم تصفيته من ملايين السنة وهو أمر ليس سهلا أبداً تنفيذه.

ينهزم العدو معنوياً قبل أن ينهزم مادياً وتلك سنة انهيار الإمبراطوريات؛ ولذا تكسب الشعوب الحرة على الجبروت الاحتلالي، فلديها أغلى شيء وهو الوقت، بينما المحتل والمجرم واللص في عجلة من أمره.

الطريق الثالث أمام السوريين هو نفس طريق الأفغان عشية سقوط نظام الدمية الروسي فقد هددوهم بمشاركة النظام في حكومة الغد، أو بتقسيم الشمال الأفغاني وثبت لاحقاً أنها بالونات اختبار لمدى صبر وإصرار الأفغان، اليوم يتكرر المشهد غداة تحرير دمشق، والمقدمات تترى كما لو أنني أعيش يوم تحرير كابل، فلا مؤسسات نظام مجرم أثخن بالسوريين مقبولة، ولا دولة علوية يمكن لها أن تقوم..الخيار الثالث وهو خيار الشعوب خيار انتصار الثورة ومؤسساتها القادرة على حمايتها، وهو مرهون بمدى وعي قادة الثورة العسكريين وفهمهم وإخلاصهم، وفرزهم لجسم سياسي يتناغم معهم ومع طموحاتهم وأحلام شعبهم، وعلى قدر حلمك تتسع الأرض.
 

تعليقات