لا منطق مع غير المنطقيين.. وإيران ماضية بتدخلاتها في شؤوننا الداخلية!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

10/ 07/ 2014
الشرق الأوسط
المؤلف: 

لا جدال في أن إيران تعاني، ومنذ فترة بعيدة، أزمات داخلية طاحنة بالفعل؛ فهناك الأوضاع الاقتصادية المتردية التي باتت تقترب من الانهيار، وهناك الصراع المتفجر والمحتدم بين أجنحة النظام المتعددة، وهناك توترات الأقليات القومية والدينية والمذهبية التي لجأ بعضها أخيرا إلى حمل السلاح. لكن وخلافا لما يراه البعض، فإن القيادة الممثلة بـ«الولي الفقيه» وكبار ضباط حراس الثورة، بدل العودة والتراجع والانكفاء إلى الداخل نجد أنها تواصل الهروب إلى الأمام وتصر على المزيد من تدخلها السافر، الذي يتخذ طابعا عسكريا، في الشؤون الداخلية للكثير من الدول العربية والإسلامية، البعيدة والقريبة.

إن المفترض أن يبادر أي نظام عندما تتفاقم أزماته الداخلية إلى التخلي عن تطلعاته الخارجية وإلى الانكفاء على الذات وإعطاء الأولوية لمعالجة مشاكل شعبه، وخاصة ما يتعلق منها بلقمة الخبز والحريات العامة، لكن هذا إن هو ينطبق على أنظمة أخرى، فإنه لا ينطبق على هذا النظام الإيراني، الذي لجأ فور انتصار الثورة الخمينية في فبراير (شباط) عام 1979 إلى إشغال شعبه بالكثير من القضايا الخارجية، وكل هذا تحت راية «تحرير» كربلاء والنجف وحماية مراقد الأئمة والمقامات الشيعية - إن في العراق، وإن في غيرها من الدول العربية.

إنه لا شك في أن التفكير المنطقي يستدعي افتراض أن إيران ليست عازمة على التورط أكثر مما هي متورطة - إن في العراق، وإن في سوريا، وإن في لبنان واليمن وأفغانستان - طالما غدت تعاني أوضاعا اقتصادية في غاية السوء، وما دامت أزماتها الداخلية باتت تقترب من لحظة الانفجار، لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار، دائما وأبدا، هو أنه غير منطقي الاعتماد على «المنطق» للتعاطي مع هذا النظام الإيراني، الذي قدماه في القرن الحادي والعشرين ورأسه في العصور الوسطى والذي دأب ومنذ عام 1979 على اتباع سياسة عنوانها «وداوني بالتي كانت هي الداء». ولذلك، فإنه بقي يصر على التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وخاصة الدول العربية التي من المفترض أنها صديقة وشقيقة ويجمعها بإيران، بالإضافة إلى الحدود والمصالح المشتركة، تاريخ طويل، على الإيرانيين أن يعتزوا به كاعتزاز العرب وأكثر.

إن المفترض أن يدرك الذين يتعاطون مع إيران وسياساتها ومواقفها وتصرفاتها على أساس العقل والمنطق أن هذا، إن هو ينطبق على دول العالم كلها فإنه لا ينطبق على الدولة الإيرانية، التي كانت - ولا تزال - تعتبر أن مواجهة مشاكلها الداخلية، الاقتصادية والسياسية، هو بالهروب إلى الخارج وهو برفع ذلك الشعار البائس، الذي كانت رفعته بعض الأنظمة العربية بعد هزيمة يونيو (حزيران) المنكرة والمدمرة لتكميم الأفواه ومصادرة الاعتراضات والانتقادات وقمع الحريات العامة، القائل: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»!

بعد انتصار الثورة الخمينية مباشرة، تعرض أكراد إيران لقمع لم يتعرضوا له، لا في عهد الدولة البهلوية ولا الدولة القاجارية ولا حتى الدولة الصفوية؛ فقد تم «شنق» العشرات منهم على أعمدة و«أسلاك» الكهرباء في مدينة «كرمنشاه»، وكان رد «الملالي» على كل من كان يتحدث عن حقوق الأقليات القومية والمذهبية والدينية أن هذه الثورة ثورة إسلامية شاملة، وأن الدعوة القومية دعوة جاهلية، وأن غير المسلمين لا يحق لهم الاعتراض على الحكم الإسلامي، وأن هؤلاء أهل ذمة وعليهم الاكتفاء بحقوق أهل الذمة.

وهنا، فإنه لا بد من التذكير، مثنى وثلاث ورباع، بأن الإمام الخميني كان قد أصر ومعه المجموعة التي كانت تحيط به، من معممين وغير معممين، على تضمين الدستور الجديد.. دستور جمهورية إيران الإسلامية، الذي لا يزال ساري المفعول حتى الآن، مادة تقول إن «دين الدولة هو الإسلام على المذهب الجعفري الإثني عشري»، وذلك مع أن أهل السنة كانوا - وما زالوا - يشكلون في هذا البلد نسبة رئيسة كان يجب أخذها بعين الاعتبار، وكان يجب الأخذ بعين الاعتبار أيضا أن المسلمين كلهم، إن في مشارق الأرض وإن في مغاربها، كانوا ينظرون إلى الثورة الخمينية من منظور غير طائفي وكانوا يعتبرونها ثورتهم.

إن لإيران الحالية بالتأكيد تطلعات توسعية في هذه المنطقة، ذات أبعاد قومية، وإنه لا نقاش إطلاقا في أن القيادة المتنفذة في هذا البلد، التي هي «الولي الفقيه» وكبار ضباط حراس الثورة، تستخدم المذهب الشيعي استخداما جائرا؛ أولا لمصادرة مطالب قوى وتنظيمات المعارضة الإيرانية، وثانيا لإعطاء تدخلها في الشؤون الداخلية للعراق وسوريا ولبنان واليمن بعدا طائفيا لإلزام غالبية الشعب الإيراني بالالتفاف حولها، ولهذا فإنها أطلقت على العقيد الطيار الذي قتل في سامراء قبل أيام صفة «شهيد الدفاع عن مرقدي الإمامين العسكريين».. والمقصود هو الإمام علي الهادي والإمام حسن العسكري.

إن لهذا التدخل الإيراني في العراق وفي سوريا وباقي الدول العربية، التي تتدخل إيران في شؤونها الداخلية تدخلا سافرا، أهدافا كثيرة، ومن بينها تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج؛ فعندما يعلن الولي الفقيه أن وجود قوات إيرانية في سوريا هو للدفاع عن مقام السيدة زينب وعن مرقد حجر بن عدي، وأن وجود قوات إيرانية في العراق هو للدفاع عن النجف وكربلاء وسامراء وعن الكاظمية - فإنه في حقيقة الأمر يسعى للتسلح بغالبية الشعب الإيراني لمواجهة المعارضة الداخلية ولإخماد الخلافات المحتدمة بين أركان الحكم وبعض تياراته المتصارعة التي ستصبح مجبرة على تجميد صراعاتها عندما يرفع «ولي الأمر» شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، والمقصود هنا هو المعركة المذهبية مع السنة العرب.

ولهذا وخلافا لما يقوله الذين يبنون مواقفهم على أساس العقل والمنطق، فإن إيران ليست بصدد وقف تدخلها العسكري والسياسي السافر، وخاصة في العراق وفي سوريا؛ فالانكفاء نحو الداخل بالنسبة للولي الفقيه يعني: أولا مواجهة ساخنة وربما مسلحة مع الأقليات القومية والدينية والطائفية، وهو يعني ثانيا المزيد من الصراع بين أركان الحكم تياراته المتعددة، في حين أنه يعني ثالثا التخلي عن دور «اللاعب الرئيس» في هذه المنطقة واللاعب الذي لا يمكن تجاوزه في الساحة الدولية.

إنه من غير المتوقع إطلاقا أن تصاب إيران بـ«لوثة» العقلانية و«لوثة» التفكير المنطقي، فتبادر إلى التخلي عن احتلال العراق واحتلال سوريا وعن الدور التخريبي الذي تلعبه في هذه المنطقة الشرق أوسطية كلها، فهذا سيضعف موقفها في المفاوضات الصعبة التي تشبه «خرط القتاد» المتعلقة ببرنامجها النووي، وهذا سيحولها إلى رقم ثانوي في المعادلة الإقليمية، وسيعزز نزعة عربها وأكرادها و«بلوشها» الاستقلالية والانفصالية، وسيشد من أزر المعارضة الليبرالية والعلمانية، وسينقلها من مواقع الدفاع إلى مواقع الهجوم، وهذا أيضا سيعمق الهوة بين المتصارعين من أركان الحكم وسيفتح الأبواب مجددا أمام ظاهرة الانقلابات العسكرية التي غابت عن هذا البلد لسنوات طويلة.

ولذلك ولهذا كله، فإنه علينا أن نضع كل الأوهام «المنطقية» بالنسبة لإيران جانبا، وأن ندرك أن رهاننا على حسن روحاني لن يكون أفضل، ولو قليلا، من رهاننا على محمد خاتمي، وأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وأنه إنْ لم نَذُد عن حياضنا بسيوفنا فإن الهلال الإيراني «المُتخيَّل» سيصبح حقيقة، وإن عصرا «صفويا» سيسود، ليس في العراق فقط، وإنما في منطقتنا العربية كلها، وإننا سنترك لأجيالنا المقبلة إرثا ثقيلا لن يكون التخلص منه ممكنا خلال عقود طويلة.