لوبن والدفاع عن بقاء الأسد من بيروت .... مقاربة مستسهلة تتجاهل قيم فرنسا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/2/2017
صحيفة النهار

تم تقويم زيارة مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن لبيروت من زاوية محاولة تثميرها في معركتها الانتخابية المقبلة، إن عبر لقاء المسؤولين اللبنانين او عبر افتعالها مشكلة لقائها مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان نتيجة رفضها وضع غطاء على رأسها. لكن ثمة مكسبا سجلته بمواقفها لمصلحة الرئيس السوري بشار الاسد من خلال استخدامها بيروت منبرا للتعبير عن انها مع بقائه، وانه يشكل حلا يدعو الى الاطمئنان اكثر بالنسبة الى فرنسا كما قالت، مستفيدة على الارجح من انقسام عمودي في لبنان من النظام السوري ومن موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يلتقي معها في هذا الموقف من النظام وفق ما سبق ان قال هو نفسه للصحافة الفرنسية. ويقول معنيون ان لوبن لم تكن لتجاهر بهذا الموقف من بيروت لو لم تجد رأيا موافقا لموقفها في سدة الرئاسة الاولى على رغم وجود آراء مسيحية أو غير مسيحية مناقضة لموقفها. يستفيد جدا الرئيس السوري من هذا الموقف مثلما يستفيد من موقف المرشح الفرنسي فرنسوا فيون الذي كان له رأي مماثل من بقاء الاسد. قالت لوبن ان مصلحة فرنسا تكمن في بقاء الاسد بدلا من وصول تنظيم "الدولة الاسلامية" الى السلطة في سوريا في مقاربة نجح الأسد وداعموه من القوى الخارجية في إرسائها، خصوصا من جانب روسيا التي تبنت هذه المقاربة وعممتها على نحو كبير. لكن ما حصل أيضا بالنسبة الى دفق اللاجئين وحصول عمليات ارهابية في الدول الاوروبية بذريعة ان وراءها فكرا "داعشيا"، يسمح بركوب موجات شعبية من اجل كسب الانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد لا تكون مقاربة مارين لوبن مهمة بالنظر الى مقاربتها المتطرفة المعروفة والتي لا تتسم بجديد، وهي متجذرة تاريخيا لدى حزبها.

إلا أن التقاء مواقف مرشحين فرنسيين على القبول ببقاء الاسد وتفضيله على أي خيار آخر لا يكشف مقاربة سطحية وتوظيفية فحسب للتطورات، لكن يكشف أيضا تخلّيا فرنسيا على الأقل عن الانخراط بقضايا المنطقة، إلا من زوايا ضيقة تهمل القيم التي قامت على أساسها الديموقراطيات الغربية وكسبت صدقيتها وموقعها في المنطقة والعالم. بل إنها تعبّر عن عجزها المسبق وعدم قدرتها على الاضطلاع بأي دور سوى التسليم بأمر واقع يعدّ أسهل الامور بالنسبة الى الخارج، إنما من دون اي بعد سياسي او استراتيجي لاي موقف يمكن ان يصبح السياسة الرسمية لهذا المرشح او ذاك متى فاز أحدهما.

ليست مهمة مواقف لوبن في شكل خاص، نظرا الى شخصيتها من جهة ومواقفها المتطرفة المعروفة من جهة اخرى التي يرى مراقبون كثر انها تقارب من خلال دعم بقاء الاسد خيارا يفترض ان يكون"معتدلا" نظريا ازاء متطرفين في حين انها متطرفة ترفض الاعتدال وتنبذه. لكن يهم الرئيس السوري ان يحصل على دعم من النوع الذي قدمته لوبن او قدمه سابقا فرنسوا فيون، خصوصا اذا وصل احدهما الى الرئاسة الفرنسية فيما هو يسعى الى الحصول على أكثر من غض نظر اميركي عن بقائه في المرحلة الراهنة بما يكفل لاحقا غض نظر عربيا او خليجيا تحديدا، تبعا للموقف الاميركي الذي وحده يهم الرئيس السوري من دون سواه من المواقف الاخرى. الا ان خطب ود الشعوب على هذا الاساس كما فعل الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي كان له موقف مماثل لا يعبّر ضرورة عن الرؤية الصحيحة للامور، خصوصا متى وصل المرشحون الى السلطة. لذلك لا يجوز الاستهانة بهذه المواقف الغربية باعتبار أنها تستفيد مما تعتبره الادارات في عواصم اوروبية مؤثرة خطأ ارتكبته بالمسارعة الى دعم المعارضة وسحب بساط الشرعية من تحت أقدام نظام الاسد، مما أفقدها القدرة على التأثير والقيام بأي دور في الحلول كما في حماية مصالحها في المنطقة، أو ايضا خطأ بالمساهمة في اطاحة احد الديكتاتوريين في المنطقة، وهو الرئيس الليبي معمر القذافي. ويستفيد الطامحون الى الرئاسة الفرنسية من هذه الاخطاء للقبول بالامر الواقع وعدم تغييره باعتبار انه يبقى الاقل كلفة وتورطا، خصوصا متى كان استمرار الرئيس السوري راهنا، على رغم استعادته السيطرة على مدن سورية اساسية، بالدعم من روسيا التي عاد وزير دفاعها سيرغي شويغو ليذكر قبل يومين ان التدخل العسكري الروسي منع تغيير النظام وتفكك سوريا. ثمة اقرار بالعجز والتسليم بأن اطاحة الاسد بالقوة باتت غير ممكنة في ظل حماية روسيا وايران للنظام وفي ظل عدم وجود النية للعمل على الانخراط في عمل عسكري ضده. لكن اذا كانت المنطقة تبقى همّا لاوروبا على ابوابها يتعين على الرأي العام الفرنسي او الغربي ان يسأل مرشحيه كيف يمكن الرئيس الاسد الذي يستمر اليوم بحماية ايرانية وروسية يرجح ان تستمر طويلا في ظل المعاهدات التي حصلت عليها روسيا وايران في سوريا، أن يؤمن الامن والاستقرار في بلاده ويطمئن السوريين الى مستقبلهم بما يمنع "تدعش" بعضهم مثلا او هجرة البعض الآخر طلبا للامان والمستقبل.

 

هل هو التقارب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما يحتم وجهات نظر مؤيدة لهذا المنحى، ام هو التسليم لروسيا بادارة الملف السوري كليا على غرار ما تم التسليم لسوريا بادارة لبنان ابان الحرب الاهلية وعلى اثرها نتيجة ارهاق الغرب سريعا من تبعات الحرب السورية؟ اسئلة صعبة يجب ان تطرح على هؤلاء من جانب الرأي العام لديهم بما هو ابعد من الشعارات السطحية خصوصا متى استخدمت منابر خارجية للترويج لهذه الشعارات في الوقت الذي تواجه هذه المنابر كما يواجه لبنان صراعا قويا لا تساهم مواقف على غرار مواقف لوبن سوى في إذكائه.

تعليقات