مؤتمر الشعوب السورية.. مرحلة جديدة من التدخل الروسي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/11/2017
العرب اللندنية
المؤلف: 

السياسة الروسية القائمة في سوريا نشأت من لا مبالاة الإدارة الأميركية، بل وربما رضاها عن تورط روسيا في المنطقة لاستنزافها، وأي تغير في الموقف الأميركي من شأنه أن يغير المعادلات، وأن يحجم الدور الروسي.

منذ البداية كانت روسيا طرفا فاعلا بل ومقررا، في الصراع السوري، وقد تبدّى ذلك أولا في تغطيتها النظام من النواحي السياسي في المحافل الدولية، بدعوى الدفاع عن سيادة الدولة ومنع انهيارها، وهو الأمر الذي نجم عنه الحؤول دون أي توجه أممي لفرض مناطق آمنة أو مناطق حظر جوي في سوريا.

وثانياً في تمييعها بيان جنيف 1 (2012)، وخاصة البند المتعلق بتشكيل “هيئة حكم انتقالية” ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، ما أدى إلى تمييع مفاوضات جنيف، بحيث وصل الأمر في ما بعد إلى حد ابتداع مسار تفاوضي أخر هو مسار أستانة، منذ مطلع هذا العام.

وثالثاً في إمداداتها المستمرة للنظام بالسلاح والذخيرة، طيلة السنوات السبع الماضية. ورابعا لجهة ادعائها أن ما يجري هو مجرد حرب ضد الإرهاب وضد التدخلات الخارجية. وخامسا لاستخدامها حق النقض تسع مرات، آخرها أواخر الشهر الماضي، ضد تقرير لجنة التحقيق المشتركة، التي وجهت الاتهامات للنظام باستخدام السلاح الكيماوي في بلدة خان شيخون (أبريل الماضي).

علما أن روسيا كانت أُبرمت اتفاقا مع الإدارة الأميركية (في عهد باراك أوباما) جنّبت فيه النظام ضربة عسكرية أميركية، ردا على استخدامه السلاح الكيماوي في غوطة دمشق (أغسطس 2013)، يقضي بتخلّي النظام عن ترسانته من هذا السلاح، وهو الأمر الذي لم يحصل تماما كما تبين من التجربة، ومن استخدام السلاح الكيماوي مرات عديدة.

ما نودّ التركيز عليه هنا أن المسار الذي قطعته روسيا في تورطها في الصراع السوري دخل مرحلته الثانية من خلال التدخل عسكريا، منذ سبتمبر (2015) بواسطة سلاح الجو، الذي قام بالآلاف من الغارات الجوية، وضمنها ضد مناطق مدنية تسيطر عليها المعارضة. وفي الواقع فإن هذا التدخّل أسهم كثيرا في حماية النظام من الانهيار، كما أدى إلى استنزاف فصائل المعارضة العسكرية، ناهيك عن ضمور المساحة التي تسيطر عليها في الجغرافيا السورية.

بيد أن ما يجب ملاحظته أن روسيا عملت على استثمار تدخلها العسكري في بناء أرصدة سياسية لها، أيضا، وهو ما تمثل بتنظيمها سلسلة من الهدن المحلية في مناطق عديدة، مع بعض الهيئات المتشكّلة في مناطق المعـارضة، وذلـك من خلال قاعدتها العسكرية في حميميم، أولاً.

ثانيا استطـاعت روسيـا من وراء تدخلهـا العسكري أن تحجّم أدوار لاعبـين إقليميين في سوريا، هما إيران وتـركيا، لا سيما الأولى التي كانت تعتبر نفسها حامية النظام، وصاحبة القرار في الشأن السوري.

ثالثا على الصعيد التفاوضي نجحت روسيا في تهميش المفاوضات في مسار جنيف، التي أضحت مجرد عملية شكلية خالية من أي مضمون سياسي يتعلق بمصير النظام، بل إنها شقت مسارا جديدا، هو مسار أستانة الذي حوّل المفاوضات إلى نوع من تقاسم وظيفي بين روسيا وإيران وتركيا (الأطراف الضامنة)، من دون أن يمنعها ذلك من عقد صفقة من هذا النوع مع الولايات المتحدة (وضمنا مع إسرائيل)، تحت يافطة “مناطق منخفضة التصعيد”، في الجنوب السوري في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء.

وهي الصفقة التي تنص أيضا على الحؤول دون اقتراب قوات النظام، أو قوات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات اللبنانية والعراقية التي تتبع لها، من الوصول إلى الحدود الجنوبية، قرب إسرائيل، أو إلى الحدود العـراقية، لقطـع الممـر (الكريدور)، بين طهران ولبنان، مرورا بسوريا والعراق.

هكذا، يبدو أننا الآن على عتبة مرحلة ثالثة من التدخل الروسي في سوريا، مع دعوة القيادة الروسية لعقد مؤتمر الشعوب السورية (حسب تصريح للرئيس فلاديمير بوتين)، أو للمكوّنات السورية (حسب تصحيح وزارة الخارجية الروسية)، في سوتشي، في هذا الشهر، بحيث أنها دعت أكثر من ثلاثين حزبا، أو حركة سياسية.

وفي الواقع فإن هذه الدعوة تثير عدة شبهات، الأولى أن روسيا تلعب بالوضع السوري، وليس فقط تلتف على المسار التفاوضي في جنيف، بدليل أن مسار التفاوض في أستانة، الذي تتحكّم به، لم ينتج عنه في الواقع، إلا تمدد النظام في مناطق المعارضة، باستثناء مناطق الشمال والشرق والجنوب من سوريا، بسبب وضع الولايات المتحدة خطوطا حمراء في هذه المناطق، حيث في الشرق والشمال قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة منها، وحيث التوافقات في الجنوب، التي تعني إسرائيل والأردن، مع ترك مصير الشمال الغربي (سيما إدلب) للترتيبات التركية.

والثانية أن روسيا تحاول من خلال هذه الصيغة تمييع المعارضة، أو خلق بدائل ولو وهمية أو شكلية لها، إذ لا أحد يعرف عن معظم القوى المدعوة شيئا، مع معرفتنا أن كثيرا منها من تفريخات النظام أو أنها موالية له، ومع إدراكنا أن النظام كان في الأصل يحرم الحياة الحزبية (ما عدا للجبهة التقدمية الموالية)، تماما مثلما يحرم السوريين من المشاركة السياسية ومن حقوق المواطنة.

والثالثة أن عقد المؤتمر في سوتشي الغاية منه الإيحاء بأن مصير سوريا بات في يد روسيا بوتين، وهذه لا يهمها في الواقع سوى تعويم النظام، مع الأسد أو من دونه، وفرض ذاتها كلاعب إقليمي في الشرق الأوسط، وإزاء الولايات المتحدة، وتحسين قوتها التفاوضية في الملفات الأخرى (أوكرانيا، أسعار النفط، العقوبات التكنولوجية، الدرع الصاروخي).

في غضون كل ذلك فإن ما ينبغي ملاحظته أن كل السياسة الروسية القائمة في سوريا نشأت من واقع لا مبالاة الإدارة الأميركية، بل وربما رضاها عن تورط روسيا في المنطقة، لاستنزافها، ووضع القوى المتصارعة في سوريا في مواجهة بعضها، وأن أي تغير في الموقف الأميركي من شأنه أن يغيّر المعـادلات، وأن يحجم الدور الروسي، بدليل إلزام الولايات المتحدة لروسيا باتفاقات الجنوب والشرق والشمال السوري.

ويستنتج من ذلك أننا سنبقى مع واقع الحال أي مع اللعب الروسي في الشأن السوري، ومع استمرار الصراع الدائر في هذا البلد، بهذا المستوى أو ذاك، إلى حين حسم الـولايات المتحدة لأمـرها في هذا الشأن.

تعليقات