مؤتمر موسكو.. «الجنازة حامية والميت كلب»

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/1/2015
العرب القطرية

دأبنا بالشام على القول لمن يرتدي ثوباً أكبر منه أن نقول له «هذا ثوب كبير عليك»، ربما ما ينطبق على الأشخاص ينسحب على الدول، إن كبرنا عدسة المجهر، فبعض الدول اليوم تسعى إلى لعب دور أكبر منها بحكم ما توفر لها من وهم القوة الخادعة، ظانة أن بمقدورها فرض الآني والانتقالي كأمر دائم، غرور القوة وأوهامها أعمتها عن الواقع، فإمبراطوريات التاريخ الموميائية لا يمكن استدعاؤها على عجل، ومن يطلب حقوقاً كباراً عليه أن يدفع مقابلها واجبات كباراً، فلا يمكن أن تطالب بحقوق الكبار وتمارس واجبات الصغار.

القوة الدائمة لم تكن يوماً ما قوة السلاح والاستبداد والديكتاتورية والغرور والتكبر فتلك قوة عابرة لا دائمة، فالقوة لم تقس يوماً بالحديد وإلا لما انهار الاتحاد السوفاتي وتشظى إلى 15 دولة، القوة الناعمة ممثلة بالحق والأخلاق والدعم المجتمعي ومحمية بالحديد هي الدائمة، ولذا لم ينفع كل حديد حلف وارسو في وأد الجهاد الأفغاني، تماماً كما لم يفلح كل حديد تحالف الغرب الذي يضم 40 دولة في القضاء على حركة طالبان فرحل مهزوماً، وإن انتفش الحديد المتعري من الأخلاق والحق يوماً، كما وقع للروس في الشيشان والإيرانيين في العراق والشام، فذاك عابر، فالاحتلالات ومقاوماتها لا تقاس بالسنين، ولنا في نجاح الثورة المضادة بفرنسا لسنوات ثم هزيمتها أمام ثورة الشعب الفرنسي عبرة.
مناسبة الحديث هو ما يجري على أرض الشام من انتفاش الطاووس الإيراني، وتبختر الدب الروسي، ومع أول أزمة بدأ اقتصادهما بالانهيار، إنها أزمة انخفاض النفط، ولذا فهما يلهثان اليوم وراء حلول سلمية لا تزال خلبية وهمية تماماً كوهمهما بتحقيق انتصار على الشعب السوري، وهو انتصار بعيد عن أسنانهم رغم كل الآلة التدميرية الجهنمية التي جربوها، مع تأمين فيتو أميركي- غربي بمنع أي سلاح نوعي للثوار على الأرض.

سارع الروس والإيرانيون بعد أن سلمهما الأميركيون مفاتيح الحل السلمي بجنيف مقابل خلع الرداء الكيماوي الأسدي، سارعا إلى الترويج لحل سلمي ربما كان عرض الطاغية أسد قبل سنوات أفضل منه، عرض تمثل بمؤتمر تشاوري ليس ملزماً لأحد يدعى إليه معارضون بصفتهم الشخصية، معظمهم معارضون مزورون كانوا ولا يزال بعضهم مع النظام، مشفوعاً بتسريبات عقب لقاء نائب وزير الخارجية الروسية بوغدانوف مع حسن نصر الله من أن الأخير أبلغه أن أسد خطر أحمر، وبغض النظر فيما إذا كان ذلك رد إيراني على مساعي روسية بالتخلي عن أسد، أو أن الروس لا يزالون يدعمون بقاءه، مع التذكير أن النفوذ الإيراني أقوى عسكرياً من الروسي.

لقد أحسن الإخوان المسلمون في سوريا برفضهم المشاركة في مؤتمر الزور هذا، كما رفضوا من قبل المشاركة في مؤتمر زور آخر هو جنيف، وهم الذين خبروا هذا النظام كونهم طليعة المعارضين له منذ السبعينيات فخبروه عسكرياً وسياسياً أكثر من الآخرين فلا حل بحسب بيانهم إلا بالالتحام بثورة الشعب، لا رغبة بالدماء وإنما لطبيعة هذا النظام الاستبدادية الإجرامية الرافضة لغيره، فشعاره ليس نظرياً وإنما ممارسة على الأرض وبشكل يومي «إما الأسد أو نحرق البلد»، ورفع شبيحته «لا إله إلا الأسد».
عجز ثلاثة وسطاء أمميون عن إقناع طاغية الشام بالتنازل، وعجز أكثر من ربع مليون شهيد وما يماثلهم من المعتقلين والمفقودين ونصف مليون جريح وأحد عشر مليونا مشردا، وتدمير %70 من البلد كلها عجزت عن أن ترغم الطاغية على التواضع ليقبل ببعض حرية من انتفض، فلا يزال يصر على نفس عباراته منذ اليوم الأول للثورة، مؤامرة وتدخلات أجنبية، وكأن التدخل الروسي والصيني والإيراني والعراقي والحزبلاتي إلى جانبه من أهل البيت؟!

بدأ من كان متحمساً بالأمس لموسكو ودورها يتسللون لواذاً، فقد أصر بعضهم على تجريب المجرب، والدخول في ماراثون طويل من المفاوضات، التي يريدها النظام كحوار مع نفسه وحوار من أجل الحوار ذاته، كسباً للوقت والظهور أمام العالم على أنه يرغب بالحوار، وأن من يعرقله هم الثوار على الأرض ومن ينسحب في حال تكشف له حقيقة النظام، المتعري أصلاً أمام السوريين، فهو يرفض الحل السلمي وإرهابي لا بد من تصفيته.

فهل يفكر عاقل أن روسيا التي كانت جزءاً من المحرقة السورية على الخطى الغروزنية، يمكن أن تكون جزءًا من الحل، ما يجري هو عملية تكاذب، فروسيا جزء من حلف استبدادي عالمي يضم إليه الصين وإيران والعراق والنظام السوري، وسيواجهون بأظافرهم وأسنانهم الثورة الشامية لقناعتهم أنها بوابة ثورة كبيرة تهدد بالتهامهم وحرقهم إلى إيران والقوقاز والصين، بالإضافة إلى خسارتهم العراق ولبنان. إن ما يجري طبخة حصى، يختصرها المثل الدارج «الجنازة حامية والميت كلب».