ماذا لو نجح الانقلاب؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/7/2016
العربي الجديد
المؤلف: 

يوماً بعد يوم، تتضح أبعاد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا وحجمها، وعلى الرغم من أن الحكمة تقتضي أن يستمر الرئيس أردوغان في تبرئة الجيش كمؤسسة من محاولة إطاحته، خصوصاً في ظل وجود قياداتٍ كان لها أكبر الأثر في إفشال الانقلاب، مثل رئيس الأركان الجنرال خلوصي أكار، وقائد الجيش الأول الجنرال أوميد دوندار، إلا أن حجم تورط الجيش كان مع ذلك كبيراً. يكفي أن ثلاثةً من بين قادة الجيوش البرية الأربعة للقوات المسلحة متورطون، فضلاً عن قائدي قوات خفر السواحل وقوات مشاة البحرية، وقادة أهم القواعد الجوية، ما يعني أن جنرالاتٍ من صنوف القوات المسلحة كافة شاركوا في المحاولة الانقلابية. وقد جرى اعتقال نحو 70 جنرالاً وأميرالاً من أصل 343 يضمهم الجيش التركي، بحسب المعهد السويدي لدراسات السلام (أكثر بقليل من 20%)، وهو حجم مشاركة كبير جداً بمعايير الانقلابات العسكرية في العالم. مع ذلك فشل الانقلاب، وكان يمكن أن ينجح، لا قدر الله، لو تمكّن الانقلابيون من اعتقال الرئيس أو قتله، كما كان مخططاً. فماذا لو حصل ذلك، كما تمنى بعضهم، وماذا لو سيطر الجيش التركي على السلطة؟ 

تعدّ التجربة الديموقراطية التركية، على الرغم من مآخذ عليها، من أنجح التجارب الديموقراطية في العالم الإسلامي، وأكثرها نضجاً، بدليل اجتماع الطبقة السياسية والنخب الفكرية التركية على رفض الانقلاب، ثم إفشاله. ولو سقطت الديموقراطية التركية فلن يعطي هذا الأمر ذخيرة إضافية لأنصار نظرية التناقض بين الإسلام والقيم الديموقراطية، واستثنائية الحالة الإسلامية، فحسب، بل كان سيقضي، بحكم مكانة تركيا وحجمها وتأثيرها، على كل أمل ديموقراطي في المنطقة. كانت تركيا على الدوام، أقله في القرنين الماضيين، نموذجاً يحذوه العالم الإسلامي في كل شيء تقريباً، ففيها بدأت أول إصلاحات سياسية وإدارية زمن السلطان سليم الثالث (حكم 1789-1807) وبسببها تمت إطاحته. مع ذلك، استلهمها محمد علي باشا والي مصر، ومؤسس دولتها الحديثة (حكم 1805-1848). وفي تركيا، حصل أول انقلاب عسكري في المنطقة (1908)، لتغدو بعده الانقلابات "سُنّةً" في العالمين العربي والإسلامي. ومن تركيا، سرت الأفكار القومية (قادمة من أوروبا، ألمانيا تحديداً) إلى العالم العربي، ومنها خرج كمال أتاتورك، ليصبح أيقونة للمقاومة والتحديث والعنفوان القومي، وحاول كثيرون التمثل به، من رضا شاه في إيران (حكم 1925-1941) إلى محمد علي جناح في باكستان (توفي 1948) إلى أكثر الزعماء القوميين العرب. 

وعليه، نخلص إلى أن هناك ديموقراطية في تركيا، ومعنى ذلك أن هناك أمل ديموقراطي للمنطقة. ولو نجح الانقلاب في تركيا لأشرق صباح المنطقة على "سيسي" آخر (النموذج لا الشخص) من جهة، ولصبّ ذلك، من جهة أخرى، في مصلحة التطرّف والإرهاب، لأن "داعش" هي نتاج الإقصاء والتهميش وفشل التحول الديموقراطي والتغيير السلمي، بدليل أنها انتعشت فقط، بعد أن ضاع حلم التغيير العربي. 

على مستوى موازين القوى الإقليمية، لن تقل النتائج كارثية. فلو نجح الانقلاب، لحصلت تبدّلات جذرية في السياسة الخارجية التركية. وظني أن سياسة الرئيس أردوغان الإقليمية وعلاقاته الدولية كانت سبباً رئيساً في محاولة إطاحته، وظني أيضاً أن إحساس أردوغان بالخطر هو ما حدا به، أخيراً، إلى إجراء تغييرات مهمة في سياسته الخارجية. اتخذت تركيا، في السنوات الخمس الماضية سياسةً خارجيةً، تخدم مصالحها كدولة في الدرجة الأولى، لكنها داعمة للتحول الديموقراطي في المنطقة العربية (يعدها بعضهم داعمة للقوى الإسلامية). وشكلت، في غياب العرب، عامل التوازن الرئيس في وجه النفوذ الإيراني، وقاومت سياسات إدارة أوباما القائمة على استرضاء روسيا وإيران، على حساب مصالح دول المنطقة وشعوبها، وتحملت العبء الأكبر من موجات اللجوء السوري والعراقي واليمني والليبي، حتى غدت إسطنبول عربية اللسان والملمح. 
من تمنى نجاح الانقلاب كان كمن يطلق النار على قدميه، في لحظة غياب العقل والوعي، لأن ذلك كان يعني مزيداً من التمدّد الإيراني، مزيداً من داعش، مزيداً من السيسي، وكان عليه فوق ذلك أن يستعد لفتح أبوابه لاستقبال ثلاثة ملايين لاجئ، سوف تلقي بهم حكومة الانقلاب، على الأرجح، خارج الحدود. 

تعليقات