ما وراء "جوازات" الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/5/2015
السورية نت

فاجأ نظام الأسد الأوساط السورية بقراره فتح السبل المغلقة أمام الحصول على "جوازات السفر" وتمديدها، وكذا بقية الأوراق الشخصية اللازمة لإثبات الشخصية والأهلية القانونية في بلدان الاغتراب الكثيرة التي يعيشون فيها، وذلك بعد ٣ سنوات من الحرمان غير المعلن لنصف الشعب السوري من هذه الحقوق التي تعدّها الأمم المتحدة أصيلة للإنسان وجزءاً من واجبات الدولة الأساسية تجاه مواطنيها.

ولفّ هذا القرار الكثيرُ من التساؤلات، بل وأُغرق موضوعه بالإجابات التي ذهب معظمها إلى التذّرع بأزمة مادية تحيط بالنظام الذي دفع بلاده إلى حربٍ طويلةٍ شاركت فيها إيران ومجموعات طائفية من المرتزقة - متعددي الجنسيات- المحسوبين على مشروع إيران الطائفي. ومما لا شكّ فيه أن العامل المادي سببٌ رئيسٌ لفتح النظام مثل هذه الأبواب، خصوصاً وأن /٤/ ملايين سوري هم عدد اللاجئين السوريين المسجلين فقط في الدول المجاورة لسوريا بالإضافة إلى /٧/ ملايين آخرين، هم عدد النازحين في الداخل، سيحاول الكثير منهم الحصول على "الجواز المضمون" من النظام، ما سيؤمن قدراً ليس بهيّن من العملة الصعبة، لن يقل عن مليار دولار ستودع في خزينة الدولة.

وفي السياق أيضاً، هدف سياسي يتفرع إلى اتجاهين؛ يرتبط أولهما بمحاولة الأسد إعادة جزء من الشرعية المفقودة والتأكيد على موقعه بأنه ممثل الدولة السورية، ويتعلق بالسعي لرفع العزلة السياسية التي يعيشها بإعطاء بادرة إيجابية (مفيدة) في إزاء استعداداتٍ محمومةٍ لعقد جلسات من الحوار برعاية دولية بين أطراف محسوبة على المعارضة السورية. في حين يتعلق ثانيهما بضرب سمعة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ومنعه من نيل شيءٍ من الاعتراف القانوني الدولي بعد أن همّ، سرّاً، بإصدار جوازات سفر للسوريين في الخارج ببعض مكاتبه وفق إصدارات (٢، ٤، ٦) سنوات بأسعار لا تتخطى الـ /٤٠٠/$، وذلك بأن قام النظام - كطرف يحوز الاعتراف القانوني- بإلغاء كل الإصدارات القديمة وقام بتوحيدها لتقتصر على إصدار (سنتين) فقط، كما أن النظام بهذه الخطوة يكون قد ألغى عملياً، قرارَ جامعة الدول العربية الصادر عن اجتماع القمة المنعقد في مصر بشهر آذار/ مارس ٢٠١٥ والذي ينص على تمديد العمل بجوازات سفر السوريين منتهية الصلاحية في الدول العربية بما يتلاءم مع الأنظمة الداخلية في كل دولة.

ولدى الأسد أهداف عسكرية- أمنية، هو بأمس الحاجة لتحقيقها في ظل الأوضاع الراهنة، فمن خلال استخراج جوازات السفر للسوريين - العسكر المعارضون منهم على وجه الخصوص- سيتمكن من وضع نسبٍ تقريبية لأعداد المناوئين والمعارضين له، وستتوفر أمامه القدرة على معرفة توزعاتهم الجغرافية حول العالم، وسيكون أمامه وقت كافٍ لتعديل قاعدة البيانات الرئيسة لأجهزته الأمنية.

آخر ما يبحث عنه الأسد هو إيجاد حلٍّ لمشاكل السوريين، فهو يفرض كمّاً كبيراً من الذلّ والمهانة عليهم قبيل تسيير المعاملات وأثناء ذلك. وعلى الرغم من دفعهم ثمن حقوقهم بالعملة الصعبة، إلّا أن القنصليات والبعثات الدبلوماسية لم تطوّر شيئاً من أسلوب عملها، بحكم أنّه جزء من سياسة إذلال ممنهجة يتعبها الأسد لتطويع الناس بالقوة والغلظة، وهذا يمتد من أصغر فرع استخبارات في سورية إلى أكبر بعثة دبلوماسية وقنصلية في خارجها.

والأسد يتقن الابتزاز في الملفات الإنسانية، واستخدمها في أكثر من مناسبة لتحقيق أهداف سياسية، ومفاوضات حمص القديمة والهدن الدمشقية ليست إلّا  دليلاً على استهدافه حياة الإنسان السوري ومعاشه بالقدر ذاته الذي يستهدف فيه تسويق نظامه ليبقى سيفاً على رقاب الشعب.

وريثما تصطف الطوابير الطويلة لساعات طويلة، قبل أن تسير المعاملات لأعداد قليلة جداً من المتعبين، تلوح خاطرةٌ حول شعبٍ مكلومٍ بوطن، يريد منه سفاحه الشكرَ على حقٍّ مسلوبٍ عادَ غاليَ الثمن وخبيث الأهداف، وطنٌ يتساءل حال ساكنيه: كيف لمستبدٍّ  يلقي البراميل المتفجرة والقنابل المعبأة بغاز الكلور على شعبه أن ينفع هذا الشعب بجواز سفر، ما نفع السفر إن بُني على ذلّ أو كان طريقه إلى الموت لا إلى الحياة، أقرب.؟!

تعليقات