مجلس الشورى العسكري التركي بداية العهد الجديد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/8/2017
السورية نت

الجيش في تركيا منذ نشأت الجمهورية يلعب أدواراً مهمة في تحديد التوجهات السياسية والعسكرية تجاه مختلف القضايا التي تهم أنقرة، لأنه يعتبر نفسه المسؤول الأول عن صيانة قيم الجمهورية وحفظ الأمن القومي للدولة، وفي مراحل كثيرة تعدى الجيش هذا الدور ليتدخل في تحديد مسار السلطة التنفيذية ليعيد تشكيلها وتسييرها بما يناسب توجهاته الأيديلوجية والسياسية، ومنذ عام 1972 يلعب مجلس الشورى العسكري في تركيا دوراً محورياً في تحديد التوجهات داخل الجيش نفسهِ كونه المسؤول الأول والأخير عن اتخاذ وإقرار قرارات ترفيع الرتب العسكرية للضباط  وتعيين القادة للتشكيلات العسكرية البرية والبحرية والجوية، وإحالة الضباط الذين توقفت ترفيعاتهم للتقاعد أو إسنادهم مهام استشارية.

كان يتكون مجلس الشورى العسكري سابقاً من جميع قادة الجيوش ممن يحملون رتبة العماد والادميرال إضافة لرئيس الأركان ورئيس الوزراء الذي يترأس المجلس.

  المجلس بتشكيلته السابق كان بمثابة المقصلة لإقصاء الضباط المنتمين للتيار الديني المحافظ، بناءً على تقارير لجنة الانضباط والتوجيه، حيث كان يعتبر إلتزام الضابط دينياً سبباً كافياً لإقصائه وإيقاف ترفيعه عسكرياً. ولم تستطع الحكومات الماضية أن تتدخل في قرارات المجلس كونها لا تمتلك سلطة كافية لفسخ قراراته الملزمة وفق القانون.

 بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة في 15 تموز 2016 أصدر الرئيس أردوغان بناءً على صلاحياته وفق قانون الطوارئ ، قانوناً عدل بموجبه طريقة تشكيل مجلس الشورى العسكري ليصبح مكوناً من 13 عضواً مضيفاً إلى تشكيلته عضوية نواب رئيس الوزراء، ووزراء الداخلية والعدالة والخارجية، ووفقاً للتشكيلة الجديدة أصبح عدد ممثلي الحكومة في المجلس 9 (رئيس الوزراء، 4 من نواب رئيس الوزراء، ووزراء الدفاع والداخلية والعدالة والخارجية) مقابل 4 للعسكر (رئيس الأركان، وقادة القوات الجوية والبحرية والبرية)، وبذلك أصبح المجلس لأول مرة يخضع للسلطة المدنية، كون القرارات تتخذ بأكثرية الأصوات ضمن المجلس.

وفي التشكيلة الجديدة تم استبعاد قوات الجندرما من التمثيل المباشر ضمن المجلس، بسبب التغيير في التبعية على اعتبار انها أصبحت تتبع مباشرة لوزير الداخلية، مما شكل حالة جديدة غيرت من شكل التوازنات في القوى بين الجيش والسلطة التنفيذية لصالح الحكومة.

السؤالين البارزين الذين بدأا يطرحان في أنقرة قبيل انعقاد مجلس الشورى العسكري غداً، هل أصبح بالإمكان تغيير عقيدة الجيش الأيدلوجية؟ ومن هو التيار الذي سيملئ الفراغ الحاصل نتيجة استبعاد عناصر تيار التنظيم الموازي من الجيش؟

تبدو الحكومة غير متحمسة الآن ظاهرياً للذهاب بعيداً في سياسة التبديل الجذري في بنية وعقيدة الجيش في الوقت الحالي، على ضوء التحديات الخارجية والداخلية التي تنتظر سياسات حاسمة من الحكومة، وكونها تحتاج لدعم جميع التيارات، للتخلص من أنصار التنظيم الموازي ضمن الجيش.

لكن هناك إشارات تغيير في عقيدة الجيش أصبحت ترى بوضوح في زيارة رئيس الأركان هلوسي أكار للسعودية ودول إسلامية أخرى، وترديد الجيش لشعارات إسلامية في احتفالات التخرج، وحرية الصلاة والصوم ضمن عناصرها، كلها ما كانت لتتحقق لولا هذا التغير.

أصبح الجيش التركي خلال السنوات الماضية يهتم في توسيع أنشطته الخارجية أكثر من اهتمامه بالسياسة الداخلية خصوصاً في سوريا والعراق وقطر والصومال إضافة لتوليه مهام اعتيادية ضمن قوات حلف الناتو واليونيفيل، متبعاً بذلك سياسة تشبه لحد بعيد سياسة نظرائه في جيوش حلف الناتو، إضافة لإيلائه اهتماماً خاصاً بتطوير الصناعات العسكرية التركية وخصوصاً سلاح الجو والبحرية لامتلاكهما القدرة على تلبية احتياجات العمليات الخارجية المستقبلية للجيش التركي في ضوء المخاطر الأمنية وزيادة النشاط الإقتصادي والسياسي لتركيا في المنطقة والعالم.

من القضايا المهمة المطروحة أيضاً على طاولة اجتماع المجلس القادم، إمكانية عودة بعض الطيارين والضباط المتقاعدين لصفوف الجيش مجدداً مع ترفيع رتبهم السابقة، ممن تم إقصائهم في إطار قضيتي المطرقة وإرغناكون (اتهم بعض الضباط بتدبير انقلاب ضد الحكومة في أعوام 2010 و 2012)  التي ثبت أن معظم الدلائل الجنائية تم تلفيقها من قبل عناصر التنظيم الموازي في الشرطة والقضاء، ويُعرف هؤلاء الضباط بخبرتهم الكبيرة في قتال عناصر تنظيم حزب العمال الكردستاني، وممن شاركوا في عمليات العراق وافغانستان، إضافة لإمكانية سد النقص في أعداد الطيارين الذين تم إحالتهم للقضاء بتهمة دعم محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو، نتيجة اختراق التنظيم الموازي لمدرسة الكلية الجوية، الذي يتخرج منه الطيارين الأتراك بصورة أساسية أكثر من بقية التشكيلات والقوى العسكرية ضمن الجيش. وإذا حدث وتم التوافق على عودة هؤلاء الضباط والطيارين ستكون سابقة جديدة في تاريخ تركيا.

من جهة آخرى تنظر المعارضة المتمثلة بحزب الشعب الجمهوري لهذه التطورات بعين القلق والحسرة، كونها بدأت تخسر مركز القوة الأساسية التي كانت تطيح بمنافسيها السياسيين أكثر من إطاحة صناديق الإقتراع لهم، مما يضعها أمام خيارات صعبة تدفع إلى التوافق مع الحكومة على تقاسم أدوار ومصالح معينة لإعادة ترتيب البيت الداخلي التركي بكليته الذي يشكل الجيش حلقته الأخيرة ضمن استراتيجية تركيا لعام 2023، وفق مبادئ وصيغ جديدة.

تدرك المعارضة اليوم أكثر من غيرها بأن تركيا الجديدة تغيرت وليس بالإمكان بعد الآن تأمل إنقلابات جديدة أو دفع العسكر لمواجهة الحكومة في ظل التوازنات الجديدة ضمن مجلس الشورى العسكري الذي يطغى عليه حكم المدنيين، لذا لم يكن مستغرباً قول كمال قليجدار أوغلو(زعيم حزب الشعب الجمهوري) "بأن الانقلاب الحقيقي في تركيا حدث في 20 تموز يوم فرض حالة الطوارئ في تركيا" . 

تعليقات