محور النفاق الإيراني - الأمريكي: تداعيات التحالف ضد "داعش"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/12/2014
العربي 21

خلال الأشهر القليلة الماضية، حاول الجانب الأمريكي جاهدا إنكار وجود اي نوع من أنواع التواصل مع الجانب الايراني لمناقشة امكانية التعاون المشترك في مواجهة تنظيم الدولة "داعش"، وذلك اثر الكشف عن فتوى للخامنئي في بداية شهر سبتمبر/أيلول الماضي تسمح للقوات الإيرانية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة "داعش". 

وقد صدرت بعدها تصريحات أمريكية لاسيما عن وزير الخارجية جون كيري تؤكّد عدم إجراء أي اجتماعات أو مباحثات مع  الجانب الإيراني حول الموضوع، وانّ ايران ليست جزءً من التحالف الدولي ضد داعش. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الاميركية ماري هارف انّ واشنطن لن تنسق في اي عمل عسكري مع ايران، ولن تتقاسم معلومات معها، كما أنها لا تمتلك أي خطط للقيام بذلك مستقبلا.

 الرد الايراني على التصريحات الأمريكية كان قويا، اذ أكّد خامنئي أنّ واشنطن طلبت من ايران منذ الايام الأولى للمعارك ومن خلال سفيرها في العراق التعاون ضد "داعش" ولكن طهران رفضت لأن أيدي الأمريكيين ملخطة بالدماء على حد زعم الخامنئي، مؤكدا انّ وزير الخارجية الأميركي نفسه وجه أيضا طلباً مماثلا إلى نظيره الإيراني محمد جواد ظريف الذي رفض كذلك.
لم يمض وقت طويل حتى يتبين فعلا انّ الطرفان يكذبان بشأن تصريحاتهما، حيث أكّدا في معرض النفيأنّ هناك نوعا من التحالف غير المعلن قد انطلق بين الطرفين مع كل ما يحمله ذلك من تماثل في المصالح والأهداف وما يتطلبه من تنسيق ومتابعة.

الطيران الأمريكي يقصف قرب أمرلي في العراق وقوات الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني نفسه تقود الميليشيات العراقية (حزب الله وعصائب أهل الحق وميليشيا الحشد الشعبي وآخرون) الى جانب القوات العرقية على الأرض. الولايات المتّحدة تؤمن الغطاء الجوي والقصف، وطهران تقود التقدّم البري على الأرض ضد "داعش". المفارقة ان مصادر اسرائيل ربما كانت اول من اشار الى هذا الموضوع مع تأكيد بأن التنسيق جارٍ بين الطرفين في العراق وسوريا عبر الحكومة العراقية.

مرّة أخرى تنفي الولايات المتّحدة هذه المعلومات المؤكدة، وتظهر بشكل سيء عدم قدرتها على اخفاء الحقيقة أو انكارها بشكل كامل. خلال الأيام القليلة الماضية، تمّ الكشف عن قيام طائرات حربية ايرانية بدخول الأجواء العراقية وقصف مواقف لتنظيم "داعش" في عمق الاراضي العراقية وتحديدا منذ نهاية شهر نوفمبر ، علما انّها ليست المرة الاولى خاصة انّ طائرات بدون طيّار التابعة لايران كانت ومازالت تحلّق داخل العراق، لكنّ الفارق انّ الطائرات الحربية الايرنية هي من تولت هذه المهمة الآن وقامت بقصف لمواقع التنظيم لاسيما في منطقتي جلولاء والسعدية في محافظة ديالى.

طبعا ما كان ذلك ليتم من دون حصول تنسيق كامل ومتابعة دقيقة من قبل الجانب الأمريكي. التذرّع بانه لم يحصل تنسيق وأنّ كل ما هنالك أنّ الجانب الامريكي قد غضّ الطرف عن الخطوة الايرانية أمر غير دقيق في أحسن الاحوال لان الجانب الايراني لا يمكن له ان يغامر ويدخل هكذا خطوة ما لم يكن متأكدا مئة في المئة بأنّ الامريكي لن يعترض، وهذا يتطلب تنسيقا وليس قراءة في النوايا.

وكما جرى سابقا،  جهد الجانب الامريكي في انكار وجود أي تنسيق، وقام الجانب الايراني بالرد بالمثل بانكار قيامه باية عمليات عسكرية او قصف لـ"داعش" وان دعمه للحكومة العراقية يقتصر فقط على تقديم الاستشارات العسكرية. انه نفي أشبه بالتأكيد الذي تفوق مصداقيته التأكيد العلني نفسه في ظل الدلائل التي يتركها الطرفان هنا وهناك على تعاونهما. 

مرّة أخرى ايضا تكون اسرائيل حاضرة في المعادلة ، فالطائرات الايرانية التي دخلت الأجواء العراقية هي من نوع (اف-4) فانتوم أمريكية الصنع، وتعتبر ايران الوحيدة تقريبا في العالم التي لا تزال تمتلك هذا الطراز، وكانت وفق ما تم الكشف عنه في التحقيقات التي أجرتها وكالة تحقيقات الأمن القومي الأمريكي (HSI) بداية العام 2014، قد حصلت على قطع غيار لعدد كبير منها عبر  اسرائيل في عملية تمّت على مرحلتين في نهاية عام 2012 وفي نيسان/أبريل 2013 من خلال اليونان.

لماذا ينكر الجانب الأمريكي دلائل لا تستعصي على أحمق؟ من الواضح أنّ الهدف من الانكار سياسي بالدرجة الأولى بغية أن لا يؤدي الاعلان عن وجود تحالف أو تنسيق او سمه ما شئت بين ايران وأمريكا بشكل رسمي الى نتائج عكسيّة تضر بالهدف الذي قام من أجله في الأساس.  ولكي ندرك ذلك، ما علينا الا انّ الجانبان اجتمعا وخرجا ببيان مشترك عن تحالف بينهما كما جرى مثلا في اجتماع جدّة، ما هي النتائج التي ستترتب على ذلك؟

أولا: لا شك انّ ذلك سيؤدي الى انسحاب معظم الدول العربية من التحالف ولاسيما دول مجلس التعاون الخليجي، كما سيؤدي الى اضرار بالغة في شكل العلاقة بين هذه الدول وواشنطن في مرحلة حرجة هي في أمس الحاجة فيها الى غطاء شرعي لعملياتها في العمق العربي العراقي والسوري.

ثانيا: تغذية الوحش الطائفي الذي اطلقت عنانه كل من طهران وواشنطن منذ احتلال العراق عام 2003، وتأكيد مزاعم الجماعات الراديكالية السنيّة بانّ هناك تحالفا أمريكيا – شيعيا في المنطقة موجّه نحو السنّة بشكل أساسي، وهو امر يثبت يوما بعد يوم صحّته وفقا لتصحريات أمريكية وليس حتى عربية. في جواب على سؤال حول ما اذا كانت أمريكا اليوم حليفة لايران في منطقة الشرق الاوسط، يقول فريديرك كاجان بروفيسور التاريخي العسكري ورئيس برنامج المخاطر الحرجة في معهد "أميريكان انتربرايز": "نحن الآن أصبحنا وبشكل لا لبس فيه الى جانب الإيرانيين وأذرعهم في المنطقة".

ثالثا: تحوّل الجماعات المعتدلة في المنطقة برمّتها الى جماعات راديكالية، وهذا يعني تغذية جماعات مثل "داعش" بآلاف المنضمين الجدد، وعمليا فشل الهدف في محاربة التنظيم في العراق واحتوائه في سوريا. كما انّ الجزء الاكبر من الخطر سيصبح لدى "داعش" سوريا التي سيكون لديها قابلية وحوافز  أكبر للتمدد وكسب المنضمين الجدد، وهذا سيخلف تداعيات على أوضاع دول سيكون في مقدمتها لبنان والأردن.

رابعا: العلاقات الأمريكية مع الحلفاء التقليديين من غير العرب في المنطقة كاسرائيل وتركيا. صحيح انّ اسرائيل قد لا تكون متضررة من التعاون المباشر  بين واشنطن وطهران بخصوص "داعش" على اعتبار انه سيكون بامكانها استثمار ذلك للترويج لجهودها في محاربة ما تدعي انه "ارهاب" في فلسطين، لكن تخوفها نابع من ان يكون ذلك مقدمة لتحالف شامل بين امريك اوايران يحرم تل أبيب من التذرع بالخطر الايراني.

أما تركيا، فان طبيعة العلاقة معها ستتوقف على شكل هذا التحالف الامريكي – الايراني فيما لو كان قد تم الاعلان عنه ومصير سوريا والعراق، ولا شك ان منحهما لايران على طبق من ذهب سيؤدي الى نتائج عكسية في الموقف التركي من العلاقة مع واشنطن.

من اجل هذه الأسباب لا نزال نسمع انكارا للتعاون الايراني- الأمريكي فيما الحقائق على الأرض تقول عكس ذلك تماما.