من نكسة ناصر إلى نكسة نصر الله

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/6/2015
بوابة الشرق
المؤلف: 

كانت معركة تزييف الوعي هي الأخطر تأثيرا على دور وحركة الشعوب، وعلى مصير بلدان المنطقة خلال التاريخ العربي الحديث، وهي الآن تعود لتحتل نفس المكانة في التأثير بل أكثر، للأسف الشديد. 

لقد تمكن الكتبة والمزيفون–لا الصحفيين ولا المثقفين – الذين عينوا كقادة للإعلام بعد الدولة العربية "المستقلة"، من السيطرة على عقول الناس بغرض دفعهم لتصديق الإنجازات والانتصارات الوهمية، وإلى رفض تصديق وقوع الهزائم. وبين تصديق الانتصارات الوهمية ورفض القبول بوقوع الهزائم –وفي ذلك كانت الناس أقرب إلى حالة الغياب عن الوعي-كان العامل الخفي وكلمة السر، هو الزعيم، الذي قدمه الكتبة والمزيفون للناس باعتباره القائد الذي لا يهزم أبداً - ولا تهزم البلاد وهو حاكم - ولا يخطئ أبدا، وإن وقعت هزيمة أو حدث خطأ فهو من الشعب من شخصيات يغضب عليها الزعيم. صوروا الزعيم للناس باعتباره هو -هو وحده- القادر على تصحيح الأخطاء وإزالة الهزائم، التي تسبب فيها غيره، وتحويلها إلى انتصارات يصنعها، هو وحده.

وهكذا عاشت شعوبنا في دوامة حب للزعيم عبد الناصر-ومن على شاكلته - ومن بعد للسيد نصر الله –ومن على شاكلته- فصار كلاهما يفعل ما يشاء دون أن يرى الناس فيما يفعل أي خطأ – أليس هذا هو الزعيم وذاك هو السيد- إذ لا صحافة ولا مثقفون بل كتبة ومزيفون.عشنا ما سمى في الاتحاد السوفييتي بعبادة الفرد، حين كان استالين هو كل شيء، هو البطل في الحرب، وهو بطل الصناعة والزراعة. وصرنا نعيش نموذج أقرب حالة حكم محبوب الشعب كيم ايل سونغ ومن بعده نجله ثم أحفاده وآخرهم هذا الفتى المعجزة الذي يحكم الآن. وفي ظل عبادة الفرد، تمكن عبد الناصر من تكميم الأفواه ومن تحويل هزيمة 67 إلى نكسة – وكان بطل التوصيف محمد حسنين هيكل- ومات وترك البلاد بلا نظام سياسي يستطيع تفعيل خيار الشعب في انتخاب من يحكمه فذهبت البلاد إلى اتجاه مضاد لكل ما قال وفعل الزعيم إذ وصل زعيم آخر صار يفعل ما يشاء.

وفي ظل عبادة حكم الفرد، تحول نصر الله من مقاوم إلى طائفي مقيت يقمع الطوائف الأخرى في لبنان ويقتل الشعب السوري واليمني –على الأقل- وهاهو يستخدم مكانه وموقعه الآن للتهديد بإعلان حروب أهلية شاملة في الإقليم بين السنة والشيعة – تحت عنوان التعبئة العامة التي لم يعلنها ضد إسرائيل- وهي نكسة لا تقل خطرا عن نكسة عبد الناصر. 

والأشد ألما إننا نعود لنفس القصة من جديد، عبر تحويل بعض الشخصيات إلى منقذ ومخلص للشعوب من الحروب والفتن والاقتتال، فيما هم صانعو تلك الفتن والحروب. دوره جهنمية. يصنعون الفتن ويزيدون نيرانها حتى تكتوي الشعوب بها، ثم يقدمون أنفسهم أو يقدمهم الكتبة والمزيفون كمنقذ للشعوب من نفسها، فهاهو حسن نصر الله الذي أشعل الفتن وأشاع القتل في سوريا واليمن –على الأقل-يقدم نفسه كمنقذ للشعوب ويقول إن لولا قمعه وقتله للشعب السوري ووقوفه إلى صف القاتل بشار لكان نساء لبنان سبايا. وهاهو علي عبد الله صالح مشعل الفتن بكل الأشكال والأنواع في اليمن، يقدم نفسه كمحرر وبطل في مواجهة الخارج –بل يقال عنه الزعيم-وهاهي الأحوال في دول الربيع العربي تدور دورتها بالقوة أو بالصندوق، تحت عنوان إنقاذ الناس على يد البطل المنقذ!.

والفرق بين ما كان قائما في السابق وما هو جار الآن، هو في أمر واحد. أن الكتبة والمزيفين –في طبعتهم الحالية الأقل كفاءة من الطبعة القديمة –يحاولون جر الشعوب لعبادة الفرد من جديد وفق صيغة تقدم الزعماء في صورة ولغة حكايات الخرافات، من خلال نبش كل التجارب التسلطية عبر التاريخ في صيغها البدائية في عصور ما قبل التاريخ، وإعادة بعثها من جديد، وهو ما ينذر بكوارث ونكبات وهزائم أشد وطأة مما وقع من قبل.

لقد عاشت شعوبنا حالة تزييف متواصلة لحاضرها، كما لم يحدث عبر التاريخ الإنساني، وكان طبيعيا أن تنتقل من هزيمة إلى هزيمة وكارثة لأخرى، فيما تمضي الشعوب مساءها في سمر حول انتصاراتها بفضل الزعيم. وهاهم الكتبة والمزيفون والمدلسون يمارسون حالة تزييف الوعي الآن– عبر خدع أفلام الخيال الخرافي – إذ يطلبون من الناس تصديق ما لا يصدق بالفطرة والمنطق والبديهة، فيرفعون الزعماء الفارغي المضمون والفاقدي القدرة والرؤية إلى صفوف غير البشر. وتلك حالة تجهيل لم يسبق لها أن حدثت إلا في قرون التخلف والظلام!.

تعليقات