هل أصبحت "داعش" خيار السنة؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/ 06/ 2014
العربي الجديد

من يرصد تطوّر الأحداث، منذ انسحاب القوات الأميركية من العراق في 2011، ثم تنامي تأثير دومينو الثورات العربية على العرب السنة في العراق، وصولاً إلى عودة الحياة إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (توسع لاحقاً إلى سورية، وأصبحنا نختصره بـ"داعش")، وتداعيات ما يحدث في سورية، ذلك كله كان يؤذن، واقعياً وموضوعياً، بالثورة السنية العربية، والتي شاهدناها، لكنّنا لا نزال في البدايات، والمرحلة المقبلة متخمة بالتطورات والأحداث.

صحيح أنّ داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) هي أحد أهم التنظيمات الفاعلة في الأحداث الحالية، لكنها ليست وحيدة، فهناك قوى سنية عديدة فاعلة على الأرض، والتي ستعود إلى العمل والنشاط، في الأسابيع القليلة المقبلة، مثل جيش المجاهدين وأنصار السنة، وكتائب ثورة العشرين، وربما يعود الجيش الإسلامي (تفكك مع الصحوات العشائرية)، وجيش "الطريقة النقشبندية"، والمجالس العسكرية للعشائر.

ربما تتغير أسماء هذه الفصائل، في الأسابيع المقبلة، تندمج وتتفكك، وقد يعاد تشكيل التحالفات، لكن، في نهاية اليوم، سنجد أنفسنا أمام فصائل سنية، تتنافس على "المناطق المحررة"، وتصطدم مع "داعش" (تحمل أجندة مختلفة)، في حال بقي المسار الراهن. وإذا لم تحدث تحولات كبيرة، كتدخل عسكري خارجي يقلب موازين القوى، أو يدفع نحو تسوية سلمية جوهرية، تطيح رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، وتعيد إدماج السنة في المشهد العراقي عبر شخصية توافقية، وهذا السيناريو السياسي هو "الأقل حظّاً"، في ظل الاصطفافات الإقليمية والداخلية الراهنة.
" صحيح أنّ داعش هي أحد أهم التنظيمات الفاعلة في الأحداث الحالية، لكنها ليست وحيدة، فهناك قوى سنية عديدة فاعلة على الأرض، والتي ستعود إلى العمل والنشاط، في الأسابيع القليلة المقبلة، مثل جيش المجاهدين وأنصار السنة، وكتائب ثورة العشرين، وربما يعود الجيش الإسلامي وجيش "الطريقة النقشبندية"، والمجالس العسكرية للعشائر"

على الرغم من هذه الخارطة السنّية المكتظّة، إلّا أنّ "داعش" تبقى رقماً صعباً ومهماً في المعادلة، وإذا كنا نستبعد أن تكون خياراً سياسياً ثقافياً حضارياً للسنة (لما تطرحه من خطاب ماضوي منغلق)، إلّا أنّها في الظروف الاستثنائية الراهنة ستمثّل خياراً اضطرارياً، مؤقتاً، لشريحة اجتماعية من السنة، راهنت في الأعوام الماضية على العملية السياسية والاندماج فيها، وحقق تحالفهم مع إياد علاوي نتائج مهمة في انتخابات العام 2010، لكنّ الانتصار اختُطِف منهم، وتغول المالكي عليهم، وأوغل في تحجيمهم وإضعافهم، في السنوات الماضية.

كل من راهن على الأميركيين والمالكي من السنّة العرب، في العراق، ودفع باتجاه العملية السياسية، والاندماج فيها، فشل فشلاً ذريعاً، على الرغم من أنّ العمل العسكري انحسر تماماً في المناطق السنية، لإنجاح العملية السياسية، وفكّكت الفصائل السنية المسلّحة الكبرى نفسها (منذ العام 2007)، مثل الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وجيش المجاهدين وحماس العراق.
مع ذلك، لم يفلح الخيار السياسي، ولا حتى السلمي، في مواجهة الإقصاء السياسي، وتنامى الشعور بمخططٍ يستهدف السنة في هويتهم ووجودهم ودورهم، فكان ذلك المسار بمثابة الهدية الثمينة التي منحها المالكي لـ"داعش"، إذ اعتبرت أنّ ما يحدث تأكيد على أنّها كانت محقّة في رفض العمل السياسي، وفي مواجهة الصحوات التي أضعفت السنة أمام المالكي، وكذلك في عدم وثوقها بالطرف الأميركي!

خلال الأعوام الماضية، وعلى الرغم من ضربات قاسية تعرّضت لها داعش، مثل مقتل قياداتها (مثل أبي مصعب الزرقاوي وأبي عمر البغدادي وأبي أيوب المصري)، وكالمواجهات بينها وبين الصحوات العشائرية، وانقلاب القوى السنية عليها؛ إلّا أنّ هذا التنظيم لم يتوقف عن العمل، واستطاع أن يتكيّف مع الظروف المتحولة والمختلفة، ويتحول ما بين التمدد العسكري إلى عمل العصابات والخلايا النائمة المسلحة، وما بين أسلوب المفخّخات والانتحاريين إلى الاغتيالات التي تطاول قيادات الصحوات، وصولاً إلى عمليات نوعية متطورة، مثل تحرير نزلاء سجن أبو غريب واقتحام جامعة الأنبار في الأشهر الماضية، فتحصّل هذا التنظيم على قدر كبير من الخبرة في التجنيد والعمل العسكري الاستراتيجي وبناء الموارد والخبرات، ما لم يتح لغيره من الفصائل السنية.
ليس صحيحاً القول إنّ داعش صنيعة النظام السوري أو الإيراني، بالمعنى المباشر السطحي للكلمة، لكن ذلك لا ينفي أنّ صعود هذا التنظيم نتيجة موضوعية لسياسات هذه الأنظمة القمعية، ولفشل الرهانات السياسية السلمية من جهة، ولعدم وجود حلول دولية وإقليمية، من جهة أخرى.

وتبدو المفارقة أنّ كلا الطرفين يستثمر في هذا الواقع، فحكومتا بشار الأسد ونوري المالكي تعيدان توجيه نمو داعش في اتجاه معاكس، بوصفها البديل في حال انهارتا، وبوصفهما طرفاً ضرورياً في الحرب على الإرهاب، وداعش، بدورها توظّف هذه السياسات، لتنفيذ أجندتها الطامحة إلى التحول من دولة افتراضية إلى دولة واقعية.
الآن، من المتوقع أن تتوغل إيران أكثر في الحالة العراقية، ويعزّز قاسم سليماني (المسؤول العسكري الإقليمي الإيراني، قائد فيلق القدس) من مهماته هناك، لكن ذلك، وإن كان سيؤثر على موازين القوى، لن يقضي على داعش، وقد يقوّي من دعايتها السياسية، وقدرتها على التجنيد، التي تتغذى على الفوضى والصراع الطائفي الهوياتي، وسنجد نسخة عراقية قريبة من الحالة السورية، في أغلب حيثياتها ومعالمها الرئيسة.
إذا تجاوزنا الإطار العراقي إلى الأفق الإقليمي، فإنّ أخطر ما في المشهد هو أنّ داعش أصبحت خياراً سنّياً، على الأقل في المرحلة الراهنة، إذ تجد المجتمعات السنية في العراق وسورية ولبنان محاصرة مستهدفة في هويتها وحضورها، مستضعفة، بلا عناوين سياسية ولا مظلات إقليمية حقيقية.

في الأثناء، تعاني القوى المعتدلة السياسية من انفصال عن شروط الواقع الموضوعي، فإنّ ذلك كله سيجعل من المنطقة مسرحاً لصراع طائفي مرير، يعيد تشكيل الحدود الواقعية، ويهدد الدول العربية الأخرى، التي ستجد نفسها إما أمام نفوذ إيراني أو صعود داعش، وكلاهما، بالنسبة إلى هذه الدول، خطر داخلي وليس خارجياً!