هل انتصرت روسيا في سورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/3/2016
National Interest
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

استمرار حملة القصف الروسية في سورية هو اعتراف ضمني بأن أهدافها العسكرية لم تتحقق بعد. في حين أنه من الواضح أن التدخل الروسي قد ساعد على تحويل الحرب لصالح نظام الأسد، فمن المهم أيضاً عدم المبالغة في النجاح العسكري الأخير للقوات الموالية للنظام. ومع ذلك، على النقيض من المكاسب المتواضعة للقوات الموالية للنظام في ساحة المعركة، فقد فعل التدخل الروسي الكثير للحد من سياسة الولايات المتحدة الخارجية على الساحة الدبلوماسية.

كان الخبراء يتوقعون سقوط نظام الأسد في كل عام منذ بداية الثورة ضده في عام 2011، ولكن في عام 2015 بدأ الوضع في التدهور بسرعة. ففي الأشهر الثمانية الأولى من ذلك العام، خسر نظام الأسد 18 % من أراضيه. وعلى ضوء الزخم القوي في دحر القوات الموالية للأسد في أيلول 2015، قررت روسيا التدخل مباشرة عن طريق حملة جوية. وكان الهدف واضحاً: عكس مد الحرب ومنع انهيار الحكومة السورية. وبحلول تشرين الثاني عام 2015، تمّكن التحالف المؤيد للأسد الذي يضم روسيا وإيران والحكومة السورية وحزب الله من صد أعداء الأسد وحتى كسب كمية قليلة من الأراضي.

ومع ذلك وعلى الرغم من آلاف الغارات الجوية الروسية، فقد نجحت القوات الموالية للأسد في فعل ما هو أكثر بقليل من مجرد جلب الاستقرار للنظام. فوفقاً لشركة IHS، منذ بداية التدخل العسكري الروسي في سورية وحتى 11 كانون الثاني 2016، زادت مساحة الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية بنسبة 1.3 % فقط. ومن الجدير بالذكر أيضاً أنه على الرغم من ادعاء بوتين بأنه أرسل القوات الروسية للقتال في سورية ضد الدولة الإسلامية، فقد كسبت الحكومة السورية على حساب قوات الثوار غير الداعشيين في حين أن خسائر الحكومة السورية  ذهبت فعلياً لصالح داعش.

صحيح أن الأراضي ليست متساوية، فالمناطق المحيطة بالمدن الكبرى مثل حلب ستكون أكثر تميزاً استراتيجياً وعلى الأرجح سيكون التنازع عليها أكثر شراسة من التنازع على الصحراء السورية في شرق البلاد. ومن الصحيح أيضاً أن بعض انتصارات نظام الأسد الكبرى كانت في إخضاع المناطق المحيطة بحلب. ومع ذلك، لا يحتاج المرء إلا إلى أن ينظر إلى خريطة ما قبل التدخل في تموز 2015 ومقارنتها مع الخريطة المرسومة لتعكس الواقع على الأرض بعد ستة أشهر من التدخل الروسي، فنرى صورة باهتة لمكاسب النظام السوري من الأراضي – لقد استطاع الحفاظ عليها وزاد فوقها القليل.

كانت انتصارات بوتين خارج ساحة المعركة أكثر حسماً.

أولاً، حدّ تدخل بوتين نيابة عن الأسد من مصداقية الولايات المتحدة كحليف. فقد شاهد المستبدون في المنطقة طلب الرئيس أوباما تنحي الرئيس المصري حسني مبارك في عام 2011، وبعد ذلك وقوفه مكتوف اليدين حين تمت الإطاحة بخلفه محمد مرسي. وعلى ضوء ذلك، فمن الصعب أن نصدق أن يحافظ الرئيس السيسي المصري أو الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود على أي أوهام حول الدعم الأمريكي في أوقات الأزمات، على الرغم من حقيقة أنهما من بين أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وفي الوقت نفسه، أظهرت روسيا التفاني من أجل حليفها الوحيد في العالم العربي من خلال الاستمرار في دعم نظام الأسد خلال الحرب الأهلية السورية وتدخلت نيابة عنه في نهاية المطاف. وهذا يزيد بالتأكيد من قابلية موسكو كشريك محتمل لأنظمة الشرق الأوسط الاستبدادية في المستقبل. (ومن الجدير بالحفظ أيضاً أنه باستثناء تونس، لا توجد دولة ديمقراطية في العالم العربي).

ثانياً، استغلت روسيا التوتر الموجود بين الشركاء المهمين في التحالف المناهض لداعش الذي تقوده الولايات المتحدة وحولتهم ضد بعضهم البعض. فعلى سبيل المثال، في حالة تركيا ووحدات حماية الشعب الكردية السورية، دعمت روسيا الوحدات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة ومكّنتها من احتلال مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود التركية. وهذا أزعج الأتراك، لأن قوات وحدات حماية الشعب الكردية الموجودة على حدودها تنتمي إلى فرع من المجموعة الانفصالية التركية المعروفة باسم حزب العمال الكردستاني والذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية. ورداً على ذلك، بدأ الأتراك المتحالفين مع الولايات المتحدة في قصف الأكراد المدعومين من قبل الولايات المتحدة. وقد ظهر سيناريو مماثل عندما دعمت موسكو وحدات حماية الشعب الكردية في حربها ضد الثوار العرب السنة المدعومين من وكالة المخابرات المركزية. وهكذا وبمساعدة الضربات الجوية الروسية، اصطدمت القوات التي تدعمها الولايات المتحدة ببعضها البعض، مما تسبب في ظهور عنوان واحد، "أميركا في حرب بالوكالة مع نفسها في سورية".

ثالثاً، رفضت مشاركة روسيا في الحرب الأهلية المفهوم الغربي بأن السياسة الخارجية يجب أن توجّه، جزئياً على الأقل، وفقاً للمبادئ الأخلاقية. وكما انتقد بوتين في كثير من الأحيان الولايات المتحدة والفوضى التي سببتها في العراق وليبيا نتيجة رغبتها في استبدال الدكتاتوريات بالديمقراطيات، فقد بيّن فوائد الانتهازية الواضحة والحفاظ على النظام الاستبدادي. وبالفعل، ربما كانت التكلفة المنخفضة ونظافة حملة بوتين محبطة جداً بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة التي أنفقت تريليونات على الحروب في المنطقة وعلى جهود بناء الديمقراطيات مع القليل لرؤيته من النتائج. وحتى الآن تواصل وسائل الإعلام الغربية تكديس الإعجاب بالسياسات الروسية الجديدة والأكثر حزماً في المنطقة، ولا يدفع بوتين أي ثمن سياسي لقصفه المستشفيات بلا رحمة دعماً للنظام السوري الاستبدادي.

على الرغم من أن القوات الموالية للنظام في سورية لم تستعد سوى جزء قليل من الأراضي السورية منذ بداية التدخل الروسي، إلا أن مناورات بوتين السياسية قد فعلت الكثير لتقويض سياسة الولايات المتحدة الخارجية. ومع ذلك، فإن عدم التوصل إلى هدنة طويلة الأمد بين الأطراف المتنازعة قد ينهك النظام السوري المتداعي ويجبر روسيا إما على التخلي عن الأسد أو على التدخل والقتال. وقرار بوتين بشن الحملة الجوية يدل على أنه قد تعلم الدرس من هفوات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في السنوات الخمس عشرة الماضية – ولكن ما إذا كانت لحظة "المهمة قد أنجزت" قد جاءت أم لا، فعلينا أن ننتظر ونرى.

الكلمات الدلالية:

تعليقات