تأمين «الجيب الحيوي» من دمشق وحمص حتى اللاذقية هو الهدف الأول للتدخل الروسي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/10/2015
القدس العربي
المؤلف: 

بدا بوتين واضحا في تصريحاته عندما قال في مقابلة مع قناة أمريكية، إنه يهدف لمنع سقوط النظام السوري، ورغم أن النظام لم يكن قد وصل لمرحلة الانهيار، إلا أنه تعرض لسلسلة تراجعات عسكرية عرضت معاقله الاستراتيجية للتهديد.

فما يعرف بـ»سوريا الحيوية» باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى.. وباتت المنطقة الاستراتيجية الواقعة غرب خط حلب حماة حمص دمشق، تتعرض لاختراقات كبيرة نسبيا من قبل المعارضة، خصوصا مع السيطرة على إدلب وريفها. وهي المنطقة ذاتها التي كانت تاريخيا معقلا لسكان سوريا القديمة من السريان وغيرهم، فيما يسمى «الكتلة الكلسية» أو «كتلة غاب افاميا». ولعل أولويات النظام والروس الان تبدأ باستعادة السيطرة الكاملة على الجيب الاهم لبقاء النظام، ما يمكن تسميته هنا «الجيب الحيوي» الذي يصل دمشق بحمص وحماة ثم يلتفت غربا نحو اللاذقية. 

وهنا تبدو ثلاث مناطق مرشحة لعمليات عسكرية عنيفة في المرحلة الاولى، ريف ادلب وسهل الغاب، القرى الشيعية المحاصرة في ريف ادلب، القلمون، ريف حمص.. حصار حلب والقرى الشيعية بريف حلب. فبعد أن خسر النظام ادلب وهي مركز محافظة رئيسية بعد سلسلة من الهزائم في عدة قواعد عسكرية، بدأ مقاتلو النصرة وجند الأقصى والحزب التركماني وأحرار الشام يتمددون نحو سهل الغاب، واضعين القرى العلوية نصب أعينهم.. ورغم أن فكرة الهجوم على القرى العلوية لم تكن وجيهة منذ البداية، نظرا لوعورة تضاريس تلك المنطقة وشراسة المدافعين عن قراهم، عدا عن الدعم الهائل الذي سيقدم لهم من جيش النظام وايران، إلا أن اقتراب الجهاديين اكثر فاكثر من هذه المنطقة لم يكن مسبوقا طول سنوات الحرب الاربع الاخيرة، خاصة أنها تشكل رمزا معنويا لسلطة الاسد.

لذلك قد يكون من أولويات العمليات العسكرية في المرحلة الاولى، إرجاع المسلحين بدءا من سهل الغاب ودفعهم لمواقعهم القديمة، وفك الحصار عن كفريا والفوعة، ومحاولة استعادة جسر الشغور لموقعها الاستراتيجي على طرق المواصلات. وسيواجه في تلك المنطقة مقاومة شرسة بلا شك من مقاتلي جبهة النصرة وحلفائهم الجهاديين من جند الاقصى والحزب التركماني واحرار الشام. وبما أن كفريا والفوعة الشيعيتين ستكونان محطة ضمن المرحلة الاولى، إن نجحت، فإن النظام لن ينسى نبل والزهراء الشيعيتين ايضا بريف حلب، كما سيحاول إكمال ما بدأه قبل اشهر باكمال تطويق حلب المدينة، خاصة أن ميليشيات الاكراد المسيطرين على حي الشيخ مقصود على الخاصرة الشمالية للمدينة قد يسهلون له الامر، بعد خلافاتهم الاخيرة المتصاعدة مع فصائل الجيش الحر الضعيفة داخل حلب المدينة، التي عجزت على مدى العام الاخير من وقف التفاف النظام واكمال تطويقه لحلب من الشرق نحو حي الشيخ نجار، فالسجن المركزي، ليظل طريق الكاستلو هو المعبر الوحيد تقريبا الذي يصل حلب بريفها الشمالي، وهو الان تحت السيطرة النارية للميليشيات الكردية..

وهذه الميليشيات نفسها هي من تتعاون مع النظام بكسر حصار قريتي نبل والزهراء الشيعيتين بالريف الشمالي لحلب، وقد يهدف النظام لكسر الطوق المفروض عليهم من القرى السنية، بفتح طريق إمداد من شمال حلب المدينة، وقوات النظام لا تبعد إلا بضعة كيلومترات عنها الان في قرى الريف الشمالي. وقد تكون مهمة النظام هنا اسهل، خصوصا إن ظلت الفصائل الجهادية القوية بعيدة عن الريف الشمالي لصالح فصائل الجيش الحر بحلب، كفيلق الشام الذي كان يخطط لإقامة منطقة عازلة، ولكنه على العكس من ذلك فقد عددا من القرى لصالح «تنظيم الدولة» في مؤشر جديد على تراجع اداء فصائل الجيش الحر التي تبدو أقل تماسكا وقدرة قتالية، ولم تعتد خوض معارك شرسة مع النظام من غير مؤازرة الجهاديين، كما كان يحدث في ريف حلب الشمالي، خصوصا من قبل جيش المهاجرين والانصار الذي بايع النصرة مؤخرا. 

في القلمون سيحاول مقاتلو حزب الله إزالة الجيوب الباقية لجبهة النصرة و»تنظيم الدولة»، لتأمين الشريط الحدودي تماما مع لبنان، وإن نجح بهذا سيكون قد انهى اي خطر يهدد الخاصرة الشمالية الغربية للجيب الحيوي للنظام، دمشق حمص اللاذقية. 
الموقع الثالث الذي سيسعى النظام والروس لتأمينه هو ريف حمص، فشمالا ما زالت تلبيسة والرستن صامدتين خارج سيطرة النظام، رغم حصارهما.. وتوجد فصائل النصرة والاحرار والجيش الحر شمال حمص.. وايضا تعيش تلك الفصائل نزاعات كبيرة، خصوصا بعد اغتيال اثنين من اعضاء الهيئة الشرعية وقيادي بالجيش الحر بتلبيسة والزعفرانة، نتيجة صراع مع فيلق حمص.. أما شرق حمص المفتوح نحو بادية الشام، فيسيطر «تنظيم الدولة» على عدة مواقع، مستندا إلى تحالفاته العشائرية مع سكان تلك القرى من النعيم والعقيدات والفواعرة. ولكن هناك عقدة اخرى في ريف حمص قد تشكل خطرا على جيب دمشق حمص اللاذقية، اللاذقية جنوب حمص، وهي بلدة القريتين جنوب حمص، وهي اقرب نقطة وصلها «تنظيم الدولة» من شرق حمص وتكاد تطل على الطريق الواصل بين دمشق وحمص، والاهم انها معبر محتمل لـ»تنظيم الدولة» غربا نحو القلمون، ومن ثم نحو شمال لبنان.. لذلك تبدو بلدة القريتين وقربها تدمر وحقول نفط الجزل هدفا محتملا للعملية الروسية، نظرا لموقعهما الحساس شرق الجيب الحيوي دمشق حمص اللاذقية.

وان تمكن النظام بمعاونة القوات البرية التي ستدعمه من ايران وحزب الله، والجوية من روسيا من تحقيق انجاز في هذه المواقع الثلاثة، فإنه قد يبدأ في مرحلة ثانية قد تتــــداخل بدايتها مع نهاية المرحلة الاولى، وستركز على توسيع الحــــزام الآمن حول دمشق، ومحاولة خلخلة التركيبة الديمغــــرافية ذات الكثافة الســــكانية السنية في الريف، التي تشكل عبئا امنيا يقلق مركز النظــــام في دمشق، وسيخطط النظام للاستــحواذ على مناطـــق الريف بعقد المزيد من الهدنات، بصفقات التجويع التي طبقــــها قبل ذلك، او بتطبيق سياسة الارض المحروقة في بلدات الريف الصامدة، بدءا من دوما حتى اليرموك والمعضمــية. 

كما سيهدف لتثبيت محاصرة حلب المدينة، وتوسيع مناطق نفوذه في درعا وابعاد المعارضة عن مركز المحافظة.. 
وفي المرحلة الثالثة، وبعد أن يكمل النظام تأمين الجيب الحيوي (دمشق حمص حماة اللاذقية) سيتجه النظام لاستعادة المناطق البعيدة عن هذا الجيب، في الرقة ودير الزور وشمال حلب.. وهذا طبعا إن تمكن النظام من تحقيق إنجاز حقيقي وثابت في المرحلتين الاولى والثانية، وهو امر لا يبدو يسيرا.

تعليقات