حمّص وشكشوشة و… هولوكوست!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/ 07/ 2014
القدس العربي
المؤلف: 

سعت إسرائيل، ولم تتوقف عن السعي، إلى الاستيلاء على قرص الفلافل، والزعم بأنه وجبة عريقة في «المطبخ» الإسرائيلي. وفي أغنية إسرائيلية شعبية، تعود إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، عنوانها «ونحن عندنا الفلافل»؛ ثمة مقطع يقول: «جرت العادة أن يقبّل اليهودي الأرض شاكراً عندما يصل إلى إسرائيل/ والآن، حالما ينزل من الطائرة، يتناول الفلافل». أمييل ألكالاي، اليهودي، أستاذ ثقافة الشرق الأوسط في «كوينز كوليج»، نيويورك، ومؤلف الكتاب المميز «بعد اليهود والعرب: إعادة صناعة ثقافة المشرق»، 1992؛ يرى أن هوس الإسرائليين بمصادرة الفلافل، ثمّ البرتقال اليافاوي والزعتر أيضاً، يندرج في نزعة استيطان الأرض إياها.

اليوم، بشراسة أشدّ من محاولات الأمس، يسعى الإسرائيليون إلى الاستيلاء على طبق الحمّص؛ والزعم، هنا أيضاً، بأنه وجبة إسرائيلية صرفة. أحدث المحاولات، وأشدّها وقاحة في الواقع، ذلك المطعم الذي افتُتح مؤخراً في العاصمة البولندية، وارسو، باسم «بار الحمّص»؛ ويقول موقعه على النت، وكذلك لائحة مأكولاته، إنه أوّل مطعم يقدّم هذا «الطبق الإسرائيلي» في البلاد. أطباق أخرى، مغتصَبة بدورها، تضمّ «الشكشوشة» التونسية، والخبز الحلبي، والفلافل بالطبع. مصدر الوقاحة الأوّل أنّ مطاعم عديدة، عربية الأصول، تقدّم الحمّص في بولندا منذ عقود طويلة؛ وكذبة فاضحة، استطراداً، أن يُقال أنّ هذا «المطعم الإسرائيلي» هوالأول الذي يقدّم الطبق. مصدر ثانٍ للوقاحة هو تعديل التسمية الثانية للحمّص، أي «المسبّحة»، إلى صياغة عبرية هي «مسبخة»، واعتمادها كلمة سرّ عند استخدام الإنترنت داخل المطعم!

ثمة، إلى هذا، بذاءة أخلاقية فاضحة، تكمن في أنّ أصحاب المشروع تقصدوا اختيار موقعه في أحد الأبنية القليلة التي تبقّت داخل الـ»غيتو» اليهودي القديم، الذي تمّ هدمه؛ وذلك رغم أنهم ليسوا بولنديين، في الأصل، بل هم يهود هاجروا إلى إسرائيل من أوكرانيا. وصحيفة «هآرتز»، التي تُحسب عادة على يسار الوسط والتيارات «العلمانية» ضمن ما تبقى من خرائب التفلسف الصهيوني، غطّت حكاية مطعم الحمّص في صفحاتها الأولى، أسوة بأخبار قصف غزّة ومقتل العشرات من الفلسطينيين؛ فتجاورت صورة واجهة «بار الحمّص»، ولائحة مأكولاته، مع صور سفك الدماء وهدم البيوت والأحياء والمرافق.

وهكذا فإنّ جندي الاحتلال الإسرائيلي، الذي يرتكب المجازر، ويهدم البيوت، ويجرف الأراضي، ويقطع أشجار الزيتون المعمّرة، ويطلق النار بدم بارد على الشيوخ والنساء والأطفال العزّل… يتكامل، من حيث تطابق الوحشية مع الابتذال، مع أشغال المستثمر الإسرائيلي الذي يغتصب أطباق الحمّص والفلافل والشكشوشة، على مبعدة آلاف الأميال من فلسطين والعالم العربي.
وكان جورج شتينر، المفكّر اليهودي الأمريكي، الفرنسي الولادة، قد جزم ذات يوم أنّ جنديّ الـ «تساحال»، بوصفه الجندي اليهودي أوّلاً، هو ذاك الذي سيعجز أبداً عن ممارسة التعذيب، وعن دفن الأحياء، وعن منع الكتب أو إحراقها… أياً كانت الأسباب والموجبات. ثمة، في نظر شتاينر، إرث أخلاقي عريق يحول دون قيام اليهودي بأيّ من هذه الآثام الثلاثة؛ فاليهود قبيلة الكوارث، في يقينه، واليهود دُفنوا أحياء على امتداد التاريخ، ولا يعقل أن يدفنوا سواهم؛ واليهود» يقيمون في بيت النصّ»، وليس لهم أن يمنعوا الكتاب!

ومع ولادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وافتضاح حقائق الممارسات الاسرائيلية الهادفة إلى قمعها بكلّ وأية وسيلة، على نحو يفقأ حتى الأعين حسيرة البصر؛ اعترف شتاينر أن إسرائيل مارست التعذيب، ودفنت الفلسطينيين أحياء، ومنعت الكتب وأحرقتها. وقبل أن ينخرط في حزن عميق معلَن، كتب الرجل ينعي الثمن الباهظ الذي تدفعه اليهودية المعاصرة في انتقالها من طور المعجزة السوداء، الهادفة إلى حفظ النوع والبقاء؛ إلى المعجزة الدموية، لدولة تعيش بحدّ السيف وحده.

والصهيونيّ المعاصر، عسكرياً كان أم مدنياً، يعجز تماماً عن إقامة الصلة بين حشر اليهود الأبرياء العزّل في «غيتو» بولندي؛ وحشر الفلسطينيين الأبرياء العزّل في شوارع غزّة ورام الله ونابلس والخليل وبيت لحم وجنين، تحت رحمة الدبابات والراجمات وطائرات الأباشي وقاذفات الـ F-16. وإذا اضطرّ الإعلام العالمي إلى سرد بعض الحقائق البصرية الخام (كما في مشهد اغتيال محمد الدرة، أو تدمير مخيّم جنين، أو دفن الموتى في حدائق المستشفيات بسبب الإغلاق ومنع التجوّل…)؛ فإنّ الصهيونيّ ذاته يسارع إلى تأثيم الإعلام أينما كان وأيّاً كانت هوّيته، قبل أن يسارع إلى إعلان ولادة موجة جديدة من العداء للسامية.
وهذا كلّه، وسواه، لا يمنع الإسرائيلي من انتهاك طبق الحمّص، في قلب ذاكرة الهولوكوست!