دعونا نعترف… لا داعي للتفاؤل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26/1/2015
القدس العربي
المؤلف: 

أفرطنا في التفاؤل، صدّقنا أوهامنا وأحلام اليقظة، لنهرب من يأسنا ووضع بلادنا المزري. لم نستطع أن نكذب على أنفسنا فترة أطول، صحونا، كانت الصحوة مؤلمة، ولكنها ضرورية، وإن جاءت متأخرة سنوات أربع. 
بدأت الثورات العربية في شتاء 2010 مع حرق البوعزيزي نفسه، قامت ثورات خمس، تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، ومشروع ثورة في العراق، وثورة في البحرين، رفض الأغلبية تسميتها بالثورة، لأن المطالبين بالحرية والعدالة هناك من طائفة أخرى غير الثورات المذكورة، وتململت شعوب أخرى في السودان والأردن والكويت وموريتانيا والجزائر والمغرب، وتظاهر اللبنانيون ضد الطائفية أياما معدودات، ثم عادوا الى حياتهم العادية، وفشلت هذه الثورات جميعها، ربما حتى تونس. لنبدأ من تونس… هرب بن علي إلى جدة مع أمواله، وانتخب الشعب بكامل وعيه وحريته النظام القديم رئيسا ونوابا، نكاية بالنهضة. ولم يدان أو يسجن أي من قتلة الثوار. المكسب الوحيد هو دستور يحترم الحريات، وعفا الله عما سلف. 

في ليبيا حرب بين الثوار والعسكر والقبائل، وبترول يحترق وحكومتان ومجلس نيابي باطل ومجلس وطني منتهي الصلاحية، ومحاولات إصلاح، ومستقبل غامض. في اليمن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح يدير اللعبة من خلف الستار، وأمريكا تقول إن إيران لا تسّير الحوثيين ولكن الاتصالات بينهما مستمرة. ماذا يعني هذا، من يدعمهم إذن؟ الرئيس والحكومة يستقيلان، والحوثيون على وشك تأسيس مجلس رئاسي بالاتفاق مع باقي الأطراف أو بدونها، سيان، والجيش الغائب يتفرج، والجنوبيون يتشاورون، مع من يتحالفون أو هل سينفصلون؟ اليمن في بساطة في مهب الريح، ريح سموم.
سوريا مدمّرة، نازحون ولاجئون، وحسابات إقليمية ودولية معقّدة، كأنها اتفقت كلها أن أفضل الحلول هناك هو أن لا غالب ولا مغلوب ولا حل. وتنظيم «داعش»، اللاعب الجديد، والغرب يحاول إقناعنا بأن القضاء عليه سيستغرق بضع سنين، رغم التكنولوجيا المتطورة وطائرات التحالف التي تملأ سماء المنطقة. انتفض العراقيون ضد النظام الطائفي ودولة الميليشيات، وأتى «داعش» ليخلط الاوراق، وينتهي مشروع الثورة، وينسحب المالكي من المشهد، ويطل النظام الطائفي علينا مادا لسانه ليهزأ بنا بعد ان اعتقدنا ان العراق سيكون واحة ديمقراطية في المنطقة، لا كما اراد له الأمريكان، دولة طائفية.

أما عندما يصل الحديث عن مصر، فيغص الحلق بالكلمات، والإخوة المصريون، يقولون في وجوهنا إن اهل مكة أدرى بشعابها، ونحن نؤيدهم بأن أهل مكة أدرى بشعاب المحروسة، لذلك دعموا الانقلاب. وتوالت فصول المسرحية الكوميدية المبكية، يبرأ مبارك ونجلاه، ويسجن الثوار والرئيس المنتخب. ورغم التسريبات المتواصلة، فلا زال معظم المصريين يحبون السيسي ويشيدون «بثورته الثانية» الثلاثين من يونيو. والاعلاميون ما زالوا يمارسون كل شيء إلا الاعلام. المظاهرات المؤيدة للشرعية لا تتوقف، خاصة أيام الجمع، ويسقط الشهداء، الذين يوصفون في قنوات السيسي بالارهابيين. القضاة ورجال الدين تحولوا الى جوقة إنشاد وتصفيق وبصم.. الطلاب يملأون السجون بدل المدارس والجامعات، والفن المصري يكمّل «رسالته السامية» بتأييد الانقلاب والعسكر والقمع والاعتقالات والسجون وإزالة مدينة رفح المصرية من الخريطة. 

لنكن واقعيين.. هذه المظاهرات لن تزيح السيسي عن كرسي الرئاسة ولن تخرج مرسي من سجنه الذي يحاكم فيه سجّانيه. كفانا تفاؤلا وأوهاما وأحلام يقظة.. نقول للإخوة المصريين الصابرين إن أفضل ما توصف به ثورة الخامس والعشرين من يناير هو عنوان احدى قصص الراحل غسان كنفاني «ماذا تبقى لكم»؟
إسرائيل تقصف دمشق، وتقتل في سوريا عسكريين من حزب الله وإيران، ويحتفظ الجميع بحق الرد على هذه الجرائم في الوقت والمكان المناسبين. هذا التوقيت لم يحن بعد، فراداراتهم وصواريخهم وبراميلهم المتفجرة تعرف إحداثيات عربين وحلب وحمص والحسكة، وتجهل إحداثيات تل أبيب! الشرر السورية تتطاير الى لبنان.. شرر بسيطة حتى الان. ونسي اهل الضاحية الجنوبية وطرابلس ان معظم النار من مستصغر الشرر.
غزة يقتحمها الشتاء، ولا إعمار، والبرد القاتل يفترس أطفالها في محاولتهم اقتناص الدفء من المدافئ القديمة. والمصالحة الفلسطينية لم تتحقق بعد، رغم مرور الستة الأشهر الاولى، ولا انتخابات في الافق، ولا حتى مصالحة.

الثورة الجزائرية اجهضت قبل ان تولد، والجزائريون ينتخبون رئيسهم المريض عرفانا بالجميل! والموريتانيون ينتخبون رئيسهم نفسه، وأصوات المعارضة لا يسمعها الشعب. إصلاحات قليلة في المغرب، من قبل أمير المؤمنين، أسكتت المطالب بالتغيير. في الكويت تغلق صحيفة «الوطن» المعارضة بعدما اعتقد الكثيرون ان الكويت هي اجدر الدول الخليجية بالتغيير لأن فيها تجربة ديمقراطية . في الأردن ما زال قادة سياسيون يعتقلون ويقدمون للمحاكمة بسبب موقف او كلمة، بعد أن اعتقدوا ان الدستور يكفل لهم حرية التعبير، فكانوا مخطئين، خذلهم الدستور. بعد كل هذا، من أين يطل التفاؤل؟

أما في السودان فما زال أمير المؤمنين يحكم بالعدل في طول البلاد الجائعة وعرضها، ولا يصح شرعا ان يخرج أحد على الأمير. ما لهذه المعارضة لا تفقه من الدين شيئا والعياذ بالله؟ فليقم عليهم الحد. للأسف اصبح في بلادنا أكثر من صومال، صومال واحد لا يكفي.
وخزة: أعتذر عن أي نبرة تفاؤل بدرت مني في السنوات الفائتة.. في هذه الاوضاع المخزية، لنكن واقعيين.. إن كان لا بد من تفاؤل فلتكن له أسبابه المقنعة وإلا فلا.. لا نحتاج إلى جرعة تخدير.